يتيم قرطبة

في يوم آخر من الأيام العشر، التي أقسم الله بلياليها في كتابه العظيم، تنبض فيه قلوب الأمة الإسلامية بإيقاع ثابت، وتهب فيه نسمات هذا اليوم المبارك، حاملة أصداء مجدٍ قديم ترويه قصور شامخة، حكاية خلدتها الكتب العتيقة، عندما اعتلى عبدالرحمن الناصر عرش الخلافة الأموية في الأندلس!
بدأت القصة في الثاني والعشرين من رمضان من عام ٢٧٧ للهجرة، في اليوم الذي ولد فيه بطلنا عبدالرحمن بن محمد بن عبدالله في جوهرة العالم، قرطبة، حيث تلقى مأساته الأولى وهو ابن عشرين يوماً، حيث قُتل والده على يد عمه المطرف بتحريض من جده سابع أمراء الأندلس محمد بن عبدالله نتيجة اشتباهه بقيام مؤامرة في الخفاء، ولم تطل الأيام حتى تكشفت له الحقيقة كالخنجر المسموم، حقيقة الأخ الذي استباح دم أخيه، والابن الذي طمع في ملك والده، والطفل الذي ذاق طعم الفقد في سنٍ لم يدرك فيه معناه حتى!
كان ألم الجد الذي يتّم حفيده بيده لا يطاق، فقربه إليه وفضله بوضوح على أبنائه، فأشرف على تعليمه وصقل شخصيته، وكان له الأثر الأكبر في تنشئته.
تسلّم الفتى الحكم في عام ٣٠٠ من الهجرة بعد أن بايعه أعمامه... فوصية جده الحاسمة باستخلافه من بعد موته، وشعبيته الطاغية وسمعته الحسنة بين الناس، والتمرد الذي يكاد يسقط العرش، والذين يطمحون في اعتلائه، أجبرتهم على قبول الواقع وتسليم الحكم لذلك الشاب البالغ من العمر ٢٢ عاماً.

منذ اعتلائه لعرش قرطبة، ولـ١٦ عاماً استمر كفاح الشاب رغبةً في توحيد البلاد وإنهاء المآسي التي حلت بها، فيقضي على تمرد تارة، وينهي حصاراً تارةً أخرى، يشق طريقه نحو الحلم الذي أراد تحقيقه لا بالتمني والآمال الزائفة، بل بعزيمة لا تنضب، وسيف لا ينكسر، وهدف لا يرتضي له إلا أن يكون واقعاً محققاً!
من انتصارات عسكرية ضد المتمرد عمر بن حفصون، وتحف معمارية لا تضاهى كمدينة الزهراء، وصولاً لازدهار اقتصادي جعل من الأندلس عروس الدنيا، بذل ذلك اليتيم الغالي والنفيس ليسمو ببلده للأعالي!

وفي السادسة والثلاثين من عمره، اهتزت منابر قرطبة بإعلان عبدالرحمن الناصر لدين الله، القائد الذي وحد الأندلس من شمالها لجنوبها، ومن شرقها لغربها، حاكماً لدولة الأمويين في الأندلس، متلقباً بلقب أمير المؤمنين، معلناً بداية العصر الذهبي الثاني، وتاركاً وراءه إرثاً، وذكرى طيبة، ونسمة لا نزال نحس بها ليومنا هذا، ونلمسها عند كل سطر نقرأه، فسلام على ذلك اليتيم الذي ألبس الأندلس تاجها، وصنع من صرخات التمرد هتافات تمجيد، فسطر اسمه في التاريخ بعمله لا بقلمه، لتصبح سيرته برهاناً على أن العواصف لا تثني من كُتبت له السيادة...