أنا مستعد للموت! : 4 ساعات غيرت أفريقيا

قبل 62 عاماً، وفي الثاني عشر من يونيو، نطق قاضي المحكمة العليا بجنوب أفريقيا بحكمه، قائلاً: "لقد قررت ألا أفرض العقوبة القصوى (الإعدام)... لكن هذا هو القدر الوحيد من الرأفة الذي أستطيع إظهاره. ستكون عقوبة جميع المتهمين السجن مدى الحياة".
كان ذلك الحكم الذي نطق به القاضي كوارتوس دي فيت (Quartus de Wet) الذي ترأس محكمة ريفونيا لعامي 1963 - 1964، قبل أن يغادر القاعة مسرعاً دون أن ينظر حتى للمتهمين!
ورغم ضغط الادعاء العام ونظام الفصل العنصري (الأبارتهايد) بهدف إصدار حكم الإعدام بحق المناضل نيلسون مانديلا ورفاقه بتهمة التخريب ومحاولة الإطاحة بالحكومة، إلا أن السجن حال دون إعدامه! فكانت كلمات القاضي الأخيرة، وأصوات الاستهجان، وصيحات الحضور بشعارات المقاومة، آخر ما سمعه السجين (46664) قبل أن يتم إرساله لزنزانته في روبن آيلاند (Robben Island)، لتكون تلك البداية لأحد أشهر رموز النضال في القرن العشرين!
ولد نيلسون مانديلا بعام 1918، درس القانون وأصبح من أوائل المحامين السود ببلاده، ثم بدأت مسيرته في النضال السلمي بانضمامه للمؤتمر الوطني الأفريقي، اعتراضاً على نظام الفصل العنصري القائم (الأبارتهايد)، والذي كان يفصل السكان حسب العرق!
وكانت من شنائع هذا النظام تخصيصه 80% من الأراضي للأقلية البيضاء بينما يتم حصر الأكثرية ذوي البشرة السوداء في مناطق صغيرة، بل ويتم إزالة أحياء كاملة وتهجير أهلها بالقوة لمناطق فقيرة معزولة، وفي الستينيات للثمانينيات هُجر أكثر من 3 ملايين شخص من منازلهم وأراضيهم، وفرض النظام تعليماً متدنياً يركز على تعليم الحرف اليدوية والمهن التي تخدم الأقلية البيضاء، بهدف إبقاء ذوي البشرة السمراء في أقل الطبقات، ويحرم أهل المنطقة من حقهم السياسي بالتصويت، فيحظر تصويت ذوي البشرة السمراء، الذين هم المواطنون والسكان الأصليون للمنطقة، في الانتخابات الخاصة ببلدهم!
وكانت الحادثة التي حولت نضال مانديلا من نضال سلمي، لنضال مسلح يقوم على تخريب منشآت النظام القائم مع تجنب قتل المدنيين قدر الإمكان، هي المذبحة التي حدثت بعام 1960 بحق مجموعة من المتظاهرين العزل، مذبحة شاربفيل (Sharpeville) والتي قُتل فيها عشرات المواطنين العُزل!
كان ذلك الحدث كافياً ليقتنع مانديلا أن النظام لن يتغير بهذه الطريقة، فقرر المشاركة في تأسيس الجناح العسكري للمؤتمر الوطني الأفريقي الذي سمي أومخونتو وي سيزوي (رمح الأمة)!
واستمر بالعمل إلى أن تم القبض عليه بعام 1962، وجرت محاكمته الشهيرة "محاكمة ريفونيا"، والتي ألقى في إحدى جلساتها خطابه أمام كل من الحضور والقاضي، حيث قال:
"لقد كرّست حياتي لهذا النضال من أجل الشعب الأفريقي... قاتلت ضد هيمنة البيض، وقاتلت ضد هيمنة السود... إنني أعتز بمبادئ مجتمع ديمقراطي حر يعيش فيه الجميع في انسجام وتكافؤ الفرص... وهو مبدأ آمل أن أعيش لأحققه، ولكن، إن اقتضى الأمر، فهو مبدأ أنا مستعد أن أموت من أجله"!
كانت تلك كلمات المناضل الأفريقي الأخيرة قبل سماع الحكم الذي سيصدر بحقه في اليوم التالي، والرسالة الأخيرة التي تركها قبل ذهابه لزنزانته، تلك التي سيقضي فيها 27 عاماً في غرفة خرسانية باردة لا تتعدى مساحتها المترين، بينما يقضي فترة حكمه في تكسير الصخور، إلا أن معنويات المناضل لم تنكسر، فكان يؤمن حتماً بمجيء يوم تتحطم فيه تلك السلاسل التي قيدت أقدامه، كما كان يدعو يوماً لتحطيم السلاسل التي قيدت العالم الذي يعرفه وعاش فيه، فجعل من السجن جامعة يعلم فيها المساجين القانون والسياسة، وحتى لغة أعدائهم من مؤيدي النظام "الأفريكانز"، وكتب سيرته الذاتية وكتابه الأشهر "مسيرة طويلة نحو الحرية"، فكان السجن بالنسبة له مرحلة جديدة لكفاحه المستمر، والذي كُلل بالنجاح بسقوط نظام الأبارتهايد، حيث فاز مانديلا في الانتخابات المشتركة بين البيض والسود، وألقى إحدى أشهر مقولاته:
"لن تتعرض هذه الأرض الجميلة مرة أخرى أبدًا لاضطهاد إنسان لإنسان آخر".
مختتماً بها سيرةً طويلة من النضال في سبيل الحرية، ومحققاً حلمه الذي طالما آمن به، ومحطماً تلك السلاسل التي قيدت بلده.