ذكرى تاريخية

خفة الحمل وعظم الزاد

بقلم فهد بن ذياب بن سفران · 8 ذو الحجة 1447هـ / 25 مايو 2026م · ٦ دقائق
تصوّر فني لحلقات العلم في المسجد الحرام في عصر التابعين — صورة مولّدة بالذكاء الاصطناعي
صورة مولّدة بواسطة الذكاء الاصطناعي

تتلاقى الأيام وتعود الذكريات الجميلة في التاريخ الإسلامي، ومن بين هذه الأيام تظل الأيام العشرة الأولى من شهر ذي الحجة أياماً مباركة وعظيمة عند الله، وفي هذه الأيام الطيبة وفي اليوم الثامن منها بالتحديد وهو يوم التروية الذي يذهب فيه الحجاج إلى مشعر منى؛ مات عالم كبير وفقيه عظيم من علماء المسلمين وهو الإمام عطاء بن أبي رباح، إن الحديث عن موت هذا العالم في هذا اليوم المبارك ليس مجرد قصة عابرة بل هو درس كبير يعلمنا كيف يرفع الله الإنسان بالعلم والتقوى ويحوله من حال الضعف والعبودية إلى مكانة عالية جداً يقصده فيها الملوك والحكام ليجلسوا بين يديه ويتعلموا منه، مجسداً بذلك الإخلاص الحقيقي لله وحده، ومات هذا العالم وهو خفيف الحمل من الدنيا ليس عنده أموال ولا مناصب لكنه كان يحمل زاداً كبيراً من الطاعات والأعمال الصالحة.

تصوّر فني لحلقات العلم في المسجد الحرام حول الكعبة في عصر التابعين — صورة مولّدة بالذكاء الاصطناعي
تصوّر فني لحلقات العلم في المسجد الحرام حول الكعبة في عصر التابعين — صورة مولّدة بالذكاء الاصطناعي

لم يكن عطاء بن أبي رباح رجلاً غنياً أو صاحب نسب كبير بل كان في بدايته عبداً مملوكاً لامرأة في مكة، وكان رجلاً أسود البشرة مفلفل الشعر أفطس الأنف وأعرج الرجل، ثم أصابه العمى في أواخر حياته، لكن كل هذه الظروف الصعبة لم تمنعه أبداً من طلب العلم وحفظ القرآن الكريم، فكان يقسم وقته بين خدمة سيدته بالأمانة والوفاء وبين الذهاب إلى المسجد الحرام ليتعلم، حتى إنه عاش في المسجد الحرام قرابة عشرين سنة يتعلم من كبار الصحابة الكرام مثل عبد الله بن عباس وعبد الله بن عمر وعائشة أم المؤمنين رضي الله عنهم جميعاً، حتى صار أكبر عالم في مكة وأصبح الخليفة في وقت الحج يأمر الناس ألا يأخذوا الفتوى إلا من عطاء بن أبي رباح لشدة علمه وأمانته.

وظلت مواقف هذا العالم مع الخلفاء والحكام قصة يرويها التاريخ لتبين عزة نفس العالم وزهده في الدنيا، ومن هذه القصص أن الخليفة سليمان بن عبد الملك وهو حاكم الدولة الإسلامية كلها في ذلك الوقت جاء ليحج فبحث عن عالم يعلمه مناسك الحج فدلوه على عطاء بن أبي رباح، وكان عطاء يصلي فلما انتهى من صلاته جلس الخليفة ومعه أولاده بين يدي عطاء يسألونه عن أحكام الحج وعطاء يجيبهم بكل هدوء ووقار مستنداً إلى سنة الرسول صلى الله عليه وسلم، ولم يجامل الخليفة ولم يخف من هيبته بل كان يعامله كأي سائل عادي حتى التفت الخليفة إلى أولاده وقال لهم: يا أبنائي لا تكسلوا في طلب العلم فإني لا أنسى ذلنا بين يدي هذا العبد الأسود في هذا المكان، لقد كان مشهداً عظيماً يوضح كيف يرفع الله الذين آمنوا والذين أوتوا العلم درجات.

تصوّر فني للإمام عطاء بن أبي رباح يجالس الخليفة الأموي في مجلسه — صورة مولّدة بالذكاء الاصطناعي
تصوّر فني للإمام عطاء بن أبي رباح يجالس الخليفة الأموي في مجلسه — صورة مولّدة بالذكاء الاصطناعي

لم تكن عزة عطاء في العلم فقط بل كانت في نصحه للحكام ومساعدته للناس، فقد سافر يوماً إلى دمشق ودخل على الخليفة هشام بن عبد الملك في قصر خلافته فرحب به الخليفة وأجلسه معه وسأله عن حاجته، فلم يطلب عطاء لنفسه أي مال أو بيت أو مصلحة بل أخذ يذكر حاجات المسلمين، فطلب المساعدة لأهل مكة والمدينة وطلب الاهتمام بالجنود الذين يحرسون حدود المسلمين، فلما وافق الخليفة على كل هذه الطلبات التفت إليه عطاء وقال له بكل صدق: اتق الله في نفسك يا أمير المؤمنين، واعلم أنك ولدت وحدك وتموت وحدك وتحشر وحدك وتحاسب وحدك ولا أحد من هؤلاء الذين حولك سينفعك عند الله، فبكى الخليفة بكاءً شديداً، ولما خرج عطاء أرسل وراءه الخليفة رجلاً يحمل كيساً من المال كهدية له فرفض عطاء أن يأخذ المال وقال: {وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ} وخرج ولم يشرب من قصر الخليفة حتى شربة ماء.

وعندما كبر في السن وجاءت ساعة رحيله من هذه الدنيا بعد أن عاش قرابة مئة عام قضاها كلها في الصلاة والعلم والعبادة والزهد؛ جاءه الموت في مكة المكرمة وفي اليوم الثامن من ذي الحجة، لقد مات عطاء بن أبي رباح وقد حج في حياته سبعين حجة وقف فيها على جبل عرفات يدعو الله ويستغفر، ويموت وهو خفيف الحمل من هموم الدنيا ودينها حاملاً معه زاداً عظيماً من الحسنات، إن موت هذا العالم يذكرنا دائماً بأن قيمة الإنسان لا تقاس بلونه أو نسبه أو ماله وإنما تقاس بالتقوى والعلم والعمل الصالح، فنسأل الله أن يرحم إمام الحرمين وعالم مكة ويجعل سيرته الطيبة نوراً لكل من يريد طلب العلم لوجه الله والدار الآخرة.

تصوّر فني لحاجٍ يقف على صعيد عرفات يدعو ربه عند غروب الشمس — صورة مولّدة بالذكاء الاصطناعي
تصوّر فني لحاجٍ يقف على صعيد عرفات يدعو ربه عند غروب الشمس — صورة مولّدة بالذكاء الاصطناعي

**المصادر والمراجع:**

صور من حياة التابعين — الدكتور عبد الرحمن رأفت باشا.

بقلم: فهد بن ذياب بن سفران
شاركنا رأيك في هذه المقالة