طريق سراييفو: المنظمة التي أشعلت حربًا دموية

منظمة الكفّ السوداء
انطلقت في مثل هذا اليوم الرصاصة التي أعلنت قيام إحدى أعنف الحروب في التاريخ، الحرب العالمية الأولى، حيث تم اغتيال ولي عهد النمسا الأرشيدوق فرانتز فيرديناند وزوجته صوفي أمام الملأ في مشهدٍ لا يصدق!
لست هنا لأعيد رواية القصة التي يعرفها الجميع، بل سآخذ القارئ في رحلةٍ نعود فيها للوراء، لما قبل سحب الزناد، لنتعرف على المؤامرة خلف تلك الرصاصة، ونتعمق في قصة المنظمة التي حاكت خيوط تلك العملية، والتي تمكنت من جعل طالبٍ بوسني يغتال ولي عهد الإمبراطورية النمساوية، منظمة الكفّ السوداء!

تم تأسيس هذه المنظمة في عاصمة صربيا بلغراد عام 1911 تحت مسمى «الاتحاد أو الموت» (Unification or Death)، وربما يتساءل القارئ حول سبب تسميتها بالكفّ السوداء رغم اختلاف اسمها الرسمي، والسبب هو أن اسم الكفّ السوداء ارتبط بالجريمة، حيث كانت رسائل التهديد والابتزاز يتم ختمها برسمة يدٍ مغموسةٍ بالحبر الأسود، فأصبح الاسم رمزًا شعبيًا متداولًا للجريمة!
وكان للمنظمة ختم رسمي يوضع على رسائلها السرية، يحتوي على رسمٍ لجمجمةٍ وعظمتين وقنبلة وسمّ سيانيد، بالإضافة لكونها جزءًا من الدولة بحد ذاتها، فقد كان مؤسسها رئيس الاستخبارات الصربية العقيد دراغوتين ديميترييفيتش الملقّب بـ(أبيس)، مما أتاح للمنظمة قدرًا هائلًا من الدعم المالي، بالإضافة لتزويدها بأسلحة الدولة!
ويمكن القول إن هدف المنظمة الأساسي هو استخدام القوة المسلحة، والاغتيالات، وجميع الوسائل المتاحة لانتزاع الأراضي التي تقطنها غالبية من الشعوب السلافية (مثل البوسنة والهرسك) من حكم إمبراطورية النمسا والمجر، وضمها بالقوة لمملكة صربيا، لبناء دولة «صربيا الكبرى»!
وكان ولي العهد النمساوي فيرديناند عائقًا أمام هذا الهدف، إذ كان ينوي تنفيذ خطة إصلاحية تمت تسميتها بـ«الحكم الثلاثي»، وهي خطة تمنح الشعوب السلافية كصربيا والبوسنة حقوقًا مساوية للنمساويين، بالإضافة لحكمٍ ذاتي، والتي قد تجعل هذه الشعوب ترضى بأن تبقى تحت الحكم النمساوي، فيتم إحباط مخطط إقامة دولة صربيا الكبرى، وبالتالي، كانت الخطوة التالية التي يجب اتخاذها واضحة… يجب أن يموت ولي العهد!
ورغم أن المنظمة تزعم أنها تفعل هذا لمصلحة البلاد، إلا أن الحادثة التي وقعت قبل سنين من تأسيس المنظمة تظهر شيئًا آخر، ففي عام 1903 اقتحم أعضاء هذه المنظمة القصر الملكي الصربي، وقاموا باغتيال الملك ألكسندر أوبيرنوفيتش وزوجته دراغا، ورموا جثتيهما من النافذة، لأنهما اتّبعا سياسة مسالمة مع النمسا، تخالف رغبات أعضاء المنظمة المتعصبين!
وأما بالنسبة لخطة اغتيال ولي العهد، فقد تم تدبيرها بحيث يتم تجنب توريط صربيا بشكل مباشر في العملية، فتم اختيار مجموعةٍ من الشبان من منظمةٍ ثوريةٍ محليةٍ بالبوسنة تدعى «البوسنة الفتاة».

حيث قام المساعد الأيمن لرئيس المنظمة الرائد فويسلاف تانكوسيتش بجمع ثلاثة شبانٍ في بلغراد وتدريبهم شخصيًا على إطلاق النار وقذف القنابل اليدوية، بالإضافة لتزويدهم بـ4 مسدسات و6 قنابل وعبوات سمّ سيانيد لينتحروا فور تنفيذ العملية، وتكفّل أعضاء المنظمة من حرس الحدود بتهريب الشبان إلى العاصمة البوسنية سراييفو.

ورغم فشل المحاولة الأولى التي قام بها الشاب كابرينوفيتش عندما رمى القنبلة باتجاه عربة ولي العهد، إلا أن الخطأ القاتل الذي قام به السائق كان ما أنهى حياة ولي العهد، فقد انعطف في الشارع الخطأ، وعندما صرخ به الحرس ليتوقف، خرج حامل المسدس غافريلو برينسيب من المقهى الذي كان ينتظر فيه، والذي ظنَّ أن العملية فشلت كليًا، ليجد ولي العهد وزوجته أمامه في لحظةٍ مثالية، ويطلق رصاصتين تسببتا بنزيفٍ مستمرٍ أدى لوفاة الاثنين في غضون دقائق، مشعلًا فتيل حربٍ لم يسبق للبشر أن خاضوا حربًا مشابهةً لها!
المصادر
- أرشيف موقع بريتانيكا: السجلات الرسمية للصراعات السياسية والجمعيات السرية بالبلقان. - كتاب «طريق سراييفو» للمؤلف فلاديمير ديديه.
مقالات ذات صلة

أنا مستعد للموت! : 4 ساعات غيرت أفريقيا
يوم عرفة: يوم تكميل الدين وبلاغ الرسالة

خفة الحمل وعظم الزاد

المنصور: مؤسس الشرعية للدولة العباسية
هل أعجبك هذا المقال؟
اشترك في «صباحيات ثهلان» لتصلك يوميًا أبرز المقالات والقصص التاريخية والثقافية.