ذكرى تاريخية

المنصور: مؤسس الشرعية للدولة العباسية

بقلم تركي بن سلطان القحطاني · 7 ذو الحجة 1447هـ / 24 مايو 2026م · ٦ دقائق
تصوّر فني لبناء مدينة السلام «بغداد» في عهد الخليفة أبي جعفر المنصور — صورة مولّدة بالذكاء الاصطناعي
صورة مولّدة بواسطة الذكاء الاصطناعي

السابع من ذي الحجة ١٥٨ هـ، ثَنِيَّة المعلاة؛ يُهال التراب على جسدٍ أرهقته الحروب والثورات وطلبُ المعالي. لم يكن صاحب هذا الجسد يسكن للدعة والراحة، بل كان منهاج حياته يختصر ببيتين قالهما:

إذا كنتَ ذا رأيٍ فكُن ذا عَزيمةٍفإنَّ فسادَ الرأي أن تَتردَّدا
ولا تُمهل الأعداءَ يوماً بقُدرةٍوبَادِرهم أن يَملكوا مثلها غَدا

إنه المنصور، باني مدينة السلام وحاضرة العالم «بغداد»، عبدالله بن محمد بن علي بن عبدالله بن عباس.

تصوّر فني لبناء مدينة السلام «بغداد» على ضفاف دجلة في عهد المنصور — صورة مولّدة بالذكاء الاصطناعي
تصوّر فني لبناء مدينة السلام «بغداد» على ضفاف دجلة في عهد المنصور — صورة مولّدة بالذكاء الاصطناعي

نستطيع أن نلخّص دهاء المنصور في هذا الحوار الذي دار بعد وصول خبر ثورة محمد النفس الزكية إلى أبي جعفر المنصور: لمّا قصد الكوفة حين علِم بمخرج محمد، كان معه عثمان بن عمارة وإسحاق بن مسلم العقيلي وعبد الله بن الربيع المداني، فقال عثمان: «أظن محمداً خائباً ومن معه من أهل بيته، إنَّ حَشْو ثياب هذا العباسي لمكرٌ ودَهاء». إنه فيما نصب له محمد من الحروب لكما قال ابن جذل الطعان:

فكم من غارةٍ ورَعيلِ خيلٍتداركها وقد حَمي اللقاءُ
فردَّ مخِيلَها حتى ثناهابأسمَرَ ما يُرى فيه التواءُ

فقال له إسحاق بن مسلم: «قد والله سبرته ولمست عوده فوجدته خشناً، وغمرته فوجدته صلباً، وذقته فوجدته مُرّاً، وإن مَن حولَه من بني أبيه لكما قال ربيعة بن مكدم:

سَمَا لي فرسانٌ كأَنَّ وجوهَهُممصابيحُ تبدو في الظلام زَوَاهِرُ
يقودهم كبشٌ أَخُو مُصمئِلَّةٍعبوسُ السُّرَى قَدْ لوّحته الهَوَاجرُ…»
تصوّر فني لمجلسٍ عباسي في عهد المنصور تُدار فيه شؤون الدولة والحرب — صورة مولّدة بالذكاء الاصطناعي
تصوّر فني لمجلسٍ عباسي في عهد المنصور تُدار فيه شؤون الدولة والحرب — صورة مولّدة بالذكاء الاصطناعي

استطاع المنصور أن يثبّت أركان دولة بني العباس بعد القضاء على ثلاثة مخاطر رئيسة، وهي:

أولاً: فتنة عمه عبدالله بن علي، وقد برز دهاء المنصور حيث ضرب أعداءه ببعضهم من خلال تكليف أبي مسلم الخراساني بالقضاء على عمه، وهذا ما كان.

ثانياً: القضاء على أبي مسلم الخراساني بالحيلة والدهاء من دون أن يشعل حرباً تنهك الدولة في بدايتها، وهذا قمة الانتصار: أن تنتصر على عدوك بأقل الخسائر.

ثالثاً: القضاء على ثورة محمد النفس الزكية وأخيه إبراهيم بن عبدالله.

ومن خلال قراءتي المتواضعة، أرى بأن المنصور أرسى وأوجد الشرعية لدولة بني العباس من خلال القضاء على ثورة محمد النفس الزكية، والمراسلات التي دارت بينهما كانت من البلاغة بمكان؛ استطاع المنصور من خلالها أن يُشرعن حكم بني العباس، ويرد على اتهامات أبناء عمه الطالبيين، حيث كانوا يرون بأن بني العباس وصلوا للخلافة من خلال شيعتهم وأنصارهم. وفي خطبته الشهيرة بأهل خراسان بعد قضائه على ثورة محمد النفس الزكية، استطاع كسب الجماهير ونشر دعايته السياسية.

قرأت مقولة في كتاب «تاريخ الخلفاء» نُسبت للمنصور، تلخّص منهجه السياسي: «إذا مدَّ عدوك إليك يده… فاقطعها إن أمكنك، وإلا… فقبّلها».

في سنة ١٥٨ هـ أراد المنصور الحج وأهلَّ به، وعند اقترابه من مكة زاد عليه المرض، وفي السابع من ذي الحجة فارق المنصور هذا العالم بعد هذه المسيرة الطويلة، وكأن الذكرى تعود بنا لمشهد توليه الخلافة في نفس الشهر سنة ١٣٦ هـ.

تصوّر فني لقافلة الحج تقترب من مكة في موسم 158هـ — صورة مولّدة بالذكاء الاصطناعي
تصوّر فني لقافلة الحج تقترب من مكة في موسم 158هـ — صورة مولّدة بالذكاء الاصطناعي

**المصادر والمراجع:**

١. تاريخ الرسل والملوك (تاريخ الطبري) — الإمام محمد بن جرير الطبري.

٢. تاريخ الخلفاء — الإمام الحافظ جلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي.

٣. محاضرات تاريخ الأمم الإسلامية (الدولة العباسية) — الشيخ محمد الخضري بك.

بقلم: تركي بن سلطان القحطاني
شاركنا رأيك في هذه المقالة