قلعة من كرتون: ذاكرة تاريخية تتجدد

في الثاني من سبتمبر سنة ١٩٨٧م، كان هناك شابٌ أمريكي أنفق مبالغ كبيرة لنشر إعلانات في صحيفتي نيويورك تايمز وواشنطن بوست يتساءل فيها عن سبب دفع الولايات المتحدة مليارات الدولارات لحماية حلفاء لا يقدمون لها شيئًا. تمر السنين ويصبح هذا الشخص رئيس الولايات المتحدة الأمريكية، ويقول في إحدى منشوراته: «إن حلف الناتو من دون الولايات المتحدة هو نمر من ورق». إنه الرئيس دونالد ترامب.
في خضم هذه الأحداث والتصريحات، وما يدور حول مستقبل حلف الناتو، تعود بنا ذكرى هذا اليوم ١٤ مايو إلى تأسيس حلف وارسو، العدو السابق لحلف الناتو، والذي قام في سنة ١٩٥٥م في مدينة وارسو عاصمة بولندا، على أثر التحاق ألمانيا الغربية بحلف شمال الأطلسي، الأمر الذي قضّ مضاجع السوفييت وعاد بهم إلى كابوس الحرب العالمية الثانية، إذ إن هذا الأمر يعني إعادة تسليح ألمانيا، الأمر الذي دفع الاتحاد السوفييتي ودول شرق أوروبا إلى السعي لإنشاء حلف وارسو، ولهذا انتشر وصفٌ شائع في الأدبيات السياسية على حلف وارسو بـ«قلعة الكرتون».
كانت الدول المؤسسة لحلف وارسو ثماني دول هي: الاتحاد السوفييتي، وبولندا، والمجر، وألمانيا الشرقية، وألبانيا، ورومانيا، وبلغاريا، وتشيكوسلوفاكيا.
دام هذا الحلف لمدة ٣٦ عامًا، استطاع الاتحاد السوفييتي فيه إرساء نفوذه في دول شرق أوروبا وتكريس اقتصاداتها لخدمة الإنتاج العسكري والنفوذ السوفييتي، وزيادة القمع. ومن العجيب أن هذا الحلف وجّه قوته ضد بعض أعضائه؛ حيث غزا المجر وأخمد ثورتها سنة ١٩٥٦م، وتم إعدام رئيس وزراء المجر إيمري ناجي، وتكرر الأمر في ربيع براغ سنة ١٩٦٨م حيث غزا السوفييت تشيكوسلوفاكيا، واحتجاجًا على هذا الأمر انسحبت ألبانيا من الحلف.

كان الفارق المهم الذي ساهم في التفوق الاقتصادي والعسكري لحلف الناتو هو الدعم الأمريكي، حيث ساهم هذا الدعم في خلق وفرة اقتصادية لدى الدول الأوروبية جعلها تلتفت إلى الجانب التعليمي والصناعي والرفاهية الاجتماعية وحماية الحريات، وهذا ما كان يفتقده حلف وارسو، حيث كانت الدول الأعضاء توجه اقتصاداتها لصالح الاتحاد السوفييتي، الأمر الذي ساهم في خنقها اقتصاديًا وتراجعها في جوانب التعليم والصناعة وقمع الحريات وهجرة العقول.

كانت اللحظة المفصلية في ١ يوليو سنة ١٩٩١م حيث عُقد اجتماع في مدينة براغ أُعلن من خلاله الحل الرسمي للحلف، لتُطوى صفحة حلف أُسس لإقامة توازن دولي، تاركًا العالم في مواجهة عصر القطب الواحد.
خلّف حلّ الحلف أصداءً ألقت بظلالها على الناتو، حيث دخل في متاهة أزمة الهوية، وذلك لأن من أسباب قيام حلف الناتو في ٤ أبريل سنة ١٩٤٩م مواجهة المد الشيوعي الذي سقط.
هنالك مقولة تقول: «إن التاريخ لا يتكرر، ولكن له أصداء»، فهل يكرر ترامب خطأ الاتحاد السوفييتي؟