ذكرى تاريخية

محمد علي باشا بين المجد الشخصي والتوسع وتأسيس الدولة الحديثة

بقلم تركي بن سلطان القحطاني · 17 مايو 2026م · ٨ دقائق
محمد علي باشا على صهوة جواده يدخل القاهرة — مطبوعة تاريخية محسّنة
محمد علي باشا على صهوة جواده يدخل القاهرة — مطبوعة تاريخية محسّنة

بيت القاضي، القاهرة، 17 مايو 1805م.

يجتمع أعيان مصر، وعلى رأسهم عمر مكرم نقيب الأشراف، ليعلنوا ميلاد عهد جديد وتحولاً كبيراً في تاريخ المنطقة. لم يدر في خلدهم بأن هذا القرار سوف يهز أوروبا ويجعلها تتحالف في أكتوبر 1827م في نافارين، ولم يتوقعوا بأن الدولة العثمانية في عام 1839م سوف تعاني مرارة الهزيمة، ولم يخطر في بالهم بأن هذا القرار سوف يهدد سياسة توازن القوى التي أُرست بعد الحروب النابليونية.

تصوّر فني لمعركة نافارين البحرية في أكتوبر 1827م — صورة مولّدة بالذكاء الاصطناعي
تصوّر فني لمعركة نافارين البحرية في أكتوبر 1827م — صورة مولّدة بالذكاء الاصطناعي
تصوّر فني لمعركة نزيب 1839م بين الجيش المصري بقيادة إبراهيم باشا والجيش العثماني — صورة مولّدة بالذكاء الاصطناعي
تصوّر فني لمعركة نزيب 1839م بين الجيش المصري بقيادة إبراهيم باشا والجيش العثماني — صورة مولّدة بالذكاء الاصطناعي

تعود بنا الحكاية إلى قَوَلة المدينة الساحلية سنة 1769م، العام الذي ولد فيه نابليون بونابرت ومحمد علي باشا محور حديثنا. ولد محمد علي لأسرة ألبانية، فقد كان والده عسكرياً وبائعاً للتبغ. توفي إبراهيم أغا والد محمد علي وترك رعاية محمد علي لأخيه طوسون.

تصوّر فني لمدينة قَوَلة (كافالا) الساحلية في العهد العثماني خلال القرن الثامن عشر، مسقط رأس محمد علي باشا — صورة مولّدة بالذكاء الاصطناعي
تصوّر فني لمدينة قَوَلة (كافالا) الساحلية في العهد العثماني خلال القرن الثامن عشر، مسقط رأس محمد علي باشا — صورة مولّدة بالذكاء الاصطناعي

التحق محمد علي بالسلك العسكري في سن مبكرة، وصاحب هذا الأمر مزاولته لبيع التبغ، الأمر الذي أكسبه معرفة في التجارة.

وفي عام 1801م تمت اتفاقية الجلاء التي وقعها الفرنسيون لمغادرة مصر، بعد قيام الثورات الشعبية وتحالف بريطانيا والدولة العثمانية على طرد فرنسا من مصر، لخوف بريطانيا من أن تشكل فرنسا مصدر إزعاج على درة التاج البريطاني الهند.

كان محمد علي باشا قائداً للكتيبة الألبانية التي وصلت إلى مصر في 1 سبتمبر 1801م، ولم يخطر في بال محمد علي أنه خلال أربع سنوات سيكون حاكم هذه البلاد.

دخلت مصر في حالة اقتتال داخلي وفراغ سياسي وتنافس على النفوذ بين المماليك أنفسهم وبين العثمانيين. وكان المماليك ينقسمون إلى قسمين: قسم يتزعمه محمد بك الألفي، وعثمان بك البرديسي. ومن خلال هذا الفراغ السياسي وعدم استقرار الولاة العثمانيين واحتجاج الشعب على الضرائب الجائرة وانعدام الأمان، دخل محمد علي ليفرض نفسه كمخلص ومنقذ ورافض لهذا الواقع. لم يكن محمد علي باشا ينطلق من منطلقات أيديولوجية ولا معتقدات دينية بقدر ما كان يطبق سياسة فن الممكن والبراغماتية. استطاع أن ينضم إلى الثورة الشعبية من دون أن يتصادم مع الدولة العثمانية، ولأول مرة في تاريخ الدولة العثمانية يُفرض عليها والٍ يختاره الشعب لا الفرمان السلطاني.

بورتريه تاريخي للباشا محمد علي في طربوشه الأحمر — لوحة زيتية محسّنة بالذكاء الاصطناعي
بورتريه تاريخي للباشا محمد علي في طربوشه الأحمر — لوحة زيتية محسّنة بالذكاء الاصطناعي

في بيت القاضي تمت الاتفاقية بين محمد علي، ذي العينين الرماديتين والجسم الممتلئ والطول المتوسط، وكانت ملامحه مزيجاً بين الغضب والحيوية، وبين أعيان ومشائخ البلد. وكان فحوى الاتفاقية أو العقد الاجتماعي أن يرجع إليهم ولا ينفرد بالسلطة، الأمر الذي لم يطبقه.

استطاع محمد علي باشا أن يحول مصر من مجموعة إقطاعيات يمتلكها ويتنازع عليها الأمراء المماليك إلى إقطاعية كبرى موحدة تابعة لسيد واحد هو محمد علي باشا، وكانت ذروة هذا التحول وبدايته في مذبحة المماليك في القلعة، الحدث الذي أرسى سلطته الموحدة والمطلقة. وقد سبق هذا الحدث نفي عمر مكرم نقيب الأشراف، ليمثل هذا الحدث الانقلاب على الاتفاقية التي عقدها في بيت القاضي.

استطاع محمد علي تجنيد الفلاحين المصريين الذين لم يشاركوا في الشؤون العسكرية الحربية منذ العهد الروماني، بعد أساليب قاسية استخدمها.

لم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل بنى أول كلية طب في المنطقة لتخدم المؤسسة العسكرية، وهي المدرسة الطبية الشهيرة التي أُقيمت في القصر العيني، وأسّس مطبعة بولاق، وأرسل البعثات العلمية إلى أوروبا، وكان من نتائج ذلك خروج شخصيات مثل رفاعة الطهطاوي الذي أسس بذور نهضة الفكر العربي.

تصوّر فني لمطبعة بولاق التي أسّسها محمد علي ليبدأ منها عصر الطباعة العربية الحديثة — صورة مولّدة بالذكاء الاصطناعي
تصوّر فني لمطبعة بولاق التي أسّسها محمد علي ليبدأ منها عصر الطباعة العربية الحديثة — صورة مولّدة بالذكاء الاصطناعي
تصوّر فني لرفاعة رافع الطهطاوي رائد البعثات العلمية المصرية وأحد رواد النهضة العربية — صورة مولّدة بالذكاء الاصطناعي
تصوّر فني لرفاعة رافع الطهطاوي رائد البعثات العلمية المصرية وأحد رواد النهضة العربية — صورة مولّدة بالذكاء الاصطناعي

يظل السؤال المهم: هل قام محمد علي باشا بذلك كله لتكريس الآلة العسكرية التي تخدم نفوذ الباشا وأسرته، أم لبناء القومية المصرية؟

بقلم: تركي بن سلطان القحطاني
شاركنا رأيك في هذه المقالة