محمد علي باشا بين المجد الشخصي والتوسع وتأسيس الدولة الحديثة

بقلم تركي بن سلطان القحطاني · 17 مايو 2026م · 3 د. قراءة
حجم الخط
100%
«منظر في القاهرة» بريشة ديفيد روبرتس، نحو 1840م. ويكيميديا كومنز (Public Domain) · commons.wikimedia.org/wiki/File:David_Roberts_-_A_View_in_Cairo_-_WGA19627.jpg
«منظر في القاهرة» بريشة ديفيد روبرتس، نحو 1840م. ويكيميديا كومنز (Public Domain)commons.wikimedia.org

بيت القاضي، القاهرة، 17 مايو 1805م.

يجتمع أعيان مصر، وعلى رأسهم عمر مكرم نقيب الأشراف، ليعلنوا ميلاد عهد جديد وتحولاً كبيراً في تاريخ المنطقة. لم يدر في خلدهم بأن هذا القرار سوف يهز أوروبا ويجعلها تتحالف في أكتوبر 1827م في نافارين، ولم يتوقعوا بأن الدولة العثمانية في عام 1839م سوف تعاني مرارة الهزيمة، ولم يخطر في بالهم بأن هذا القرار سوف يهدد سياسة توازن القوى التي أُرست بعد الحروب النابليونية.

«معركة نافارين» — مطبوعة تاريخية تصوّر المعركة البحرية عام 1827م. Rijksmuseum، أمستردام (Public Domain Mark) · rijksmuseum.nl/en/collection/object/RP-P-2018-611
«معركة نافارين» — مطبوعة تاريخية تصوّر المعركة البحرية عام 1827مRijksmuseum، أمستردام (Public Domain Mark) · rijksmuseum.nl
معركة نزيب 1839م وإبراهيم باشا في الميدان — مطبوعة تاريخية نُشرت في مطبوعات الهلال. ويكيميديا كومنز (Public Domain) · commons.wikimedia.org/wiki/File:Battle_of_Nezib,_Ibrahim_Pasha.jpg
معركة نزيب 1839م وإبراهيم باشا في الميدان — مطبوعة تاريخية نُشرت في مطبوعات الهلال. ويكيميديا كومنز (Public Domain)commons.wikimedia.org

تعود بنا الحكاية إلى قَوَلة المدينة الساحلية سنة 1769م، العام الذي ولد فيه نابليون بونابرت ومحمد علي باشا محور حديثنا. ولد محمد علي لأسرة ألبانية، فقد كان والده عسكرياً وبائعاً للتبغ. توفي إبراهيم أغا والد محمد علي وترك رعاية محمد علي لأخيه طوسون.

شارع في مدينة قَوَلة (كافالا) مسقط رأس محمد علي باشا، نحو 1900م. ويكيميديا كومنز (Public Domain) · commons.wikimedia.org/wiki/File:Kavala_Street,_c._1900.jpg
شارع في مدينة قَوَلة (كافالا) مسقط رأس محمد علي باشا، نحو 1900م. ويكيميديا كومنز (Public Domain)commons.wikimedia.org

التحق محمد علي بالسلك العسكري في سن مبكرة، وصاحب هذا الأمر مزاولته لبيع التبغ، الأمر الذي أكسبه معرفة في التجارة.

وفي عام 1801م تمت اتفاقية الجلاء التي وقعها الفرنسيون لمغادرة مصر، بعد قيام الثورات الشعبية وتحالف بريطانيا والدولة العثمانية على طرد فرنسا من مصر، لخوف بريطانيا من أن تشكل فرنسا مصدر إزعاج على درة التاج البريطاني الهند.

كان محمد علي باشا قائداً للكتيبة الألبانية التي وصلت إلى مصر في 1 سبتمبر 1801م، ولم يخطر في بال محمد علي أنه خلال أربع سنوات سيكون حاكم هذه البلاد.

دخلت مصر في حالة اقتتال داخلي وفراغ سياسي وتنافس على النفوذ بين المماليك أنفسهم وبين العثمانيين. وكان المماليك ينقسمون إلى قسمين: قسم يتزعمه محمد بك الألفي، وعثمان بك البرديسي. ومن خلال هذا الفراغ السياسي وعدم استقرار الولاة العثمانيين واحتجاج الشعب على الضرائب الجائرة وانعدام الأمان، دخل محمد علي ليفرض نفسه كمخلص ومنقذ ورافض لهذا الواقع. لم يكن محمد علي باشا ينطلق من منطلقات أيديولوجية ولا معتقدات دينية بقدر ما كان يطبق سياسة فن الممكن والبراغماتية. استطاع أن ينضم إلى الثورة الشعبية من دون أن يتصادم مع الدولة العثمانية، ولأول مرة في تاريخ الدولة العثمانية يُفرض عليها والٍ يختاره الشعب لا الفرمان السلطاني.

بورتريه محمد علي باشا بريشة أوغست كودير، 1841م. ويكيميديا كومنز (Public Domain) · commons.wikimedia.org/wiki/File:ModernEgypt,_Muhammad_Ali_by_Auguste_Couder,_BAP_17996.jpg
بورتريه محمد علي باشا بريشة أوغست كودير، 1841م. ويكيميديا كومنز (Public Domain)commons.wikimedia.org

في بيت القاضي تمت الاتفاقية بين محمد علي، ذي العينين الرماديتين والجسم الممتلئ والطول المتوسط، وكانت ملامحه مزيجاً بين الغضب والحيوية، وبين أعيان ومشائخ البلد. وكان فحوى الاتفاقية أو العقد الاجتماعي أن يرجع إليهم ولا ينفرد بالسلطة، الأمر الذي لم يطبقه.

استطاع محمد علي باشا أن يحول مصر من مجموعة إقطاعيات يمتلكها ويتنازع عليها الأمراء المماليك إلى إقطاعية كبرى موحدة تابعة لسيد واحد هو محمد علي باشا، وكانت ذروة هذا التحول وبدايته في مذبحة المماليك في القلعة، الحدث الذي أرسى سلطته الموحدة والمطلقة. وقد سبق هذا الحدث نفي عمر مكرم نقيب الأشراف، ليمثل هذا الحدث الانقلاب على الاتفاقية التي عقدها في بيت القاضي.

استطاع محمد علي تجنيد الفلاحين المصريين الذين لم يشاركوا في الشؤون العسكرية الحربية منذ العهد الروماني، بعد أساليب قاسية استخدمها.

لم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل بنى أول كلية طب في المنطقة لتخدم المؤسسة العسكرية، وهي المدرسة الطبية الشهيرة التي أُقيمت في القصر العيني، وأسّس مطبعة بولاق، وأرسل البعثات العلمية إلى أوروبا، وكان من نتائج ذلك خروج شخصيات مثل رفاعة الطهطاوي الذي أسس بذور نهضة الفكر العربي.

صفحة عنوان «الفتوحات المكية» من أوائل مطبوعات مطبعة بولاق، الطبعة الأولى 1853م. ويكيميديا كومنز (Public Domain) · commons.wikimedia.org/wiki/File:Meccan_Revelations,_Bulaq_Press,_First_edition_1853.png
صفحة عنوان «الفتوحات المكية» من أوائل مطبوعات مطبعة بولاق، الطبعة الأولى 1853م. ويكيميديا كومنز (Public Domain)commons.wikimedia.org
صورة تاريخية لرفاعة رافع الطهطاوي رائد البعثات العلمية المصرية. ويكيميديا كومنز (Public Domain) · commons.wikimedia.org/wiki/File:Rifa%27a_el-Tahtawi.png
صورة تاريخية لرفاعة رافع الطهطاوي رائد البعثات العلمية المصرية. ويكيميديا كومنز (Public Domain)commons.wikimedia.org

يظل السؤال المهم: هل قام محمد علي باشا بذلك كله لتكريس الآلة العسكرية التي تخدم نفوذ الباشا وأسرته، أم لبناء القومية المصرية؟

بقلم: تركي بن سلطان القحطاني
شاركنا رأيك في هذه المقالة
قد يعجبك أيضًا

مقالات ذات صلة

☕ صباحيات ثهلان

هل أعجبك هذا المقال؟

اشترك في «صباحيات ثهلان»: مختارات من جديد ثهلان وأعدادها، تصل إلى بريدك.