ذكرى تاريخية

عذراء أورليان: الدرع الذي حمى عرش فرنسا

بقلم ثامر الحريصي · 16 مايو 2026 · ٦ دقائق
جان دارك في درعها حاملةً الراية أمام كاتدرائية — لوحة تاريخية
جان دارك في درعها حاملةً الراية أمام كاتدرائية — لوحة تاريخية

في مثل هذا اليوم من عام 1920م، أعلن البابا بنديكت الخامس عشر الفارسةَ الفرنسية جان دارك قديسةً رسميًا في الكنيسة الكاثوليكية، بعد مرور أكثر من 500 عام على حرقها بتهمة ممارسة السحر. فمن تكون تلك الفتاة التي لم تتمكن نيران مدينة روان المحتلة من محو بطولاتها حتى بعد مرور خمسة قرون؟

في قرية ريفية صغيرة بمنطقة لورين شمال شرقي فرنسا، وتحديدًا عام 1412م، وُلدت جان دارك لأسرة متواضعة، حيث كانت ترعى الأغنام برفقة والدها تارةً، وتساعد والدتها في الحياكة وغزل الصوف تارةً أخرى.

لكن حياتها تغيّرت عندما ادّعت أنها سمعت أصوات القديسين الثلاثة: ميخائيل، وكاترين، ومارغريت، الذين طلبوا منها أن تذهب لفك حصار مدينة أورليان وإنقاذ فرنسا.

جان دارك ترفع سيفها ورايتها — نقش تاريخي من القرن التاسع عشر
جان دارك ترفع سيفها ورايتها — نقش تاريخي من القرن التاسع عشر

فحزمت أغراضها وتوجهت إلى المدينة المجاورة، حيث التقت بالقادة وحاولت إقناعهم بأنها مرسلة من قِبل القديسين لإنقاذ فرنسا. ويمكنكم تخيّل السخرية التي نالتها الفلاحة البالغة من العمر ثلاثة عشر عامًا، وهي تحاول إقناع قادة الجيش بأنها مرسلة من قِبل القديسين لإنقاذ فرنسا…

لكن إصرارها العجيب، ونجاحها في التنبؤ بنتائج بعض المعارك قبل وقوعها، جعلا قائد القوات المحلية روبرت دي بودريكور يوافق على مقابلتها للملك.

فبدأت رحلة الفتاة لكسر الحصار وإنقاذ موطنها برفقة ستة حراس، في مهمة شبه انتحارية لاختراق صفوف الإنجليز عن طريق التخفي، ومقابلة الملك الفرنسي المحاصر في مدينة أورليان.

تصوّر فني لجان دارك تقود الجيش الفرنسي لفك حصار أورليان — صورة مولّدة بالذكاء الاصطناعي
تصوّر فني لجان دارك تقود الجيش الفرنسي لفك حصار أورليان — صورة مولّدة بالذكاء الاصطناعي

استمرت تلك الرحلة أيامًا، قاست فيها الأمرّين بهدف الوصول إلى قلعة شينون، وبمجرد اعتراف الملك بجدارتها في قيادة الجيش الفرنسي، ارتدت درعها المصنوع من الفولاذ الأبيض، وحملت راية الجيش البيضاء ذات شعار زهرة الزنبق المطرَّزة بالذهب. وفي غضون عشرة أيام استطاعت فك الحصار الإنجليزي الذي دام شهورًا، واستمرت في تحقيق الانتصارات حتى وصلت إلى مدينة ريمس، حيث يُتوَّج الملوك، وهناك تم تتويج شارل السابع ملكًا لفرنسا، بينما تقف عذراء أورليان بجانبه حاملةً الراية البيضاء بكل فخر.

كان طموح الشابة أكبر من مجرد إعادة العرش، لكن تردد الملك ورضاه بالجلوس على العرش جعلاها تخسر في إحدى المعارك، حيث أُلقي القبض عليها من قِبل الإنجليز، واتُّهمت بأضعف التهم، ولم تكن ردودها ذات أهمية بالنسبة لمحاكمتها؛ فقد تقرر حرق «ساحرة أورليان» لجعلها عبرة، ومحو عار الهزيمة التي تلقّوها على يد فتاة لم تبلغ سن الرشد…

تصوّر فني للحظة حرق جان دارك في ساحة مدينة روان عام 1431م — صورة مولّدة بالذكاء الاصطناعي
تصوّر فني للحظة حرق جان دارك في ساحة مدينة روان عام 1431م — صورة مولّدة بالذكاء الاصطناعي

ورغم مرور أكثر من عشرين عامًا على حرق الفارسة جان دارك، فإن والدتها إيزابيل روميه لم تفقد الأمل في تطهير سمعة ابنتها التي شُوّهت ظلمًا، فطالبت البابا كاليستوس الثالث بإعادة المحاكمة، والتي انتهت بتبرئة الفارسة الشجاعة التي غيّرت مسار حرب المئة عام.

كانت تلك رحلة الفارسة الفرنسية قبل أن ترى النصر الأخير في الحرب، تاركةً خلفها ما هو أقوى من الجيوش؛ فلم تمت تلك الفتاة في التاسعة عشرة كما أراد الإنجليز، بل استمرت ذكراها لتصبح رمزًا لا يُنسى في الكفاح من أجل الوطن.

بقلم: ثامر الحريصي
شاركنا رأيك في هذه المقالة