ابن الأثير: ذاكرة أمة

بقلم ثامر الحريصي · مايو 2026م · 3 د. قراءة
حجم الخط
100%
منمنمة من «مقامات الحريري» بريشة رسّام شامي سنة 1222م — مجلس علم في المشرق الإسلامي زمن ابن الأثير. ويكيميديا كومنز (Public Domain)
منمنمة من «مقامات الحريري» بريشة رسّام شامي سنة 1222م — مجلس علم في المشرق الإسلامي زمن ابن الأثير. ويكيميديا كومنز (Public Domain)

بين صيحات المغول في الشرق وتصاعد رايات الصليب القادمة من أوروبا، كان العالم الإسلامي على موعدٍ مع أحد أعنف الحقب الدموية التي ستحدد استمرار الأمة أو فناءها، وفي خضم تلك الأحداث القاسية، ظهرت شخصية قررت حمل عبء القرون، وحماية تاريخها من الاندثار وسط الحروب الطاحنة في الشرق والغرب، فمَن ذلك الرجل الذي حمل ذاكرة أمة فوق ريشته؟

أبو الحسن محمد بن علي الجزري الملقب بعز الدين، وُلِد سنة ٥٥٥ للهجرة، الموافق لشهر مايو من عام ١١٦٠ للميلاد، في جزيرة ابن عمر لأسرةٍ عظيمة تخدم الدولة الزنكية، مما أتاح له تعليمًا رفيع المستوى جمع فيه بين فقه الحديث وبراعة السرد التاريخي، وكان لتنقلاته بين مختلف المناطق كالقدس وبغداد ودمشق والموصل أثر كبير في حياته العلمية.

لم يكن هذا الرجل العظيم مجرد مؤرخ يكتب تاريخ الأمة، بل كان مهندسًا للتاريخ، بدايةً من مشاركته في المعارك تحت رايات الأيوبيين، وصولًا لمجالسته للحكام والملوك، كان مثالًا للمؤرخ العظيم الذي يقاتل بسيفه قبل قلمه، وينقد الملوك بلسانه قبل ريشته، فتارةً يشارك في حصار عكا المرير واصفًا شنائع الحرب وصليل السيوف، وتارةً يجلس في حضرة القائد صلاح الدين الأيوبي موثقًا لقيادته وذاكرًا لأفعاله.

ورقة من «الشاهنامة المغولية الكبرى»، تبريز في العهد الإيلخاني، 1330–1335م — من الفنون التي أنتجها العالم الإسلامي في حقبة السيطرة المغولية. متحف كليفلاند للفنون (CC0) · clevelandart.org/art/1943.658.b
ورقة من «الشاهنامة المغولية الكبرى»، تبريز في العهد الإيلخاني، 1330–1335م — من الفنون التي أنتجها العالم الإسلامي في حقبة السيطرة المغوليةمتحف كليفلاند للفنون (CC0) · clevelandart.org

ولم تكن الحروب الصليبية إلا البداية لما سيأتي من أحداث دموية، حيث بدأ المغول زحفهم عندما كان في الواحدة والستين، وكانت تلك الفترة بشهادته كارثة حلت على الأمة الإسلامية بأسرها!

في زمنٍ تُقتل فيه الرسل، وتحرق فيه المدن وتسوى بالأرض، وتنتهك حرمة الكتب والمخطوطات، فتختفي وتندثر، وترفع رايات الصليب الحمراء وتبنى فوق بلاد المسلمين القلاع، كان هذا الرجل يقاسي ليكتب ما تعانيه الأمة من أهوال، كيف لا وهو من قال: «لقد بقيتُ عدة سنين معرضًا عن ذكر هذه الحادثة استعظامًا لها، كارهًا لذكرها، فأنا أقدم رجلًا وأؤخر أخرى، فمن الذي يسهل عليه أن ينعى الإسلام والمسلمين؟ ومن الذي يهون عليه ذكر ذلك؟ فليت أمي لم تلدني، وليتني متُّ قبل هذا وكنت نسيًا منسيًا»، فمن لديه الشجاعة ليكتب ما ألم بالأمة من دمار وهزائم؟ ومن سينقل أسوأ لحظات الأمة عندما تلوح النهاية في الأفق؟

صفحة من مخطوط عربي وسيط بخط النسخ — نموذج لنسخ الكتب في العصر الذي عاش فيه ابن الأثير. ويكيميديا كومنز (Public Domain) · commons.wikimedia.org/wiki/File:Curing_Diseases_and_Defects_Both_Apparent_and_Hidden_WDL465.jpg
صفحة من مخطوط عربي وسيط بخط النسخ — نموذج لنسخ الكتب في العصر الذي عاش فيه ابن الأثير. ويكيميديا كومنز (Public Domain)commons.wikimedia.org

متنقلًا من مكان لآخر، باحثًا عن مخطوطة نجت من العذاب الذي أُنزِل على أهل تلك المقابر التي كانت تسمى يومًا مُدنًا، كان هذا الشيخ الكبير يبذل الغالي والنفيس، ويحبس الدمع بينما يتقطع قلبه على ما أصاب هذه الأمة من مصاب، فكتب كتابه الأهم «الكامل في التاريخ» موثِّقًا لكل حدثٍ أمكنه التأكد منه، لكي لا ينسى المسلمون تلك الفترة الدموية، تاركًا وراءه أحد أعظم المؤلفات التي حفظت ذاكرة هذه الأمة من الضياع في عصرٍ كانت تنتهك فيه أمهات الكتب.

وفي عام ٦٣٠ للهجرة، ترجل الشيخ الكبير عن ريشته، بعد حياة حافلة بتوثيق البطولات والمآسي، واستقر في الموصل حيث وافته المنية، وكان ذلك قبل سقوط بغداد بعدة سنوات، فكان موته رحمةً به من رؤية ذلك المشهد المرير.

كانت تلك قصة المؤرخ الذي وثق ما لا يطيق البشر رؤيته، واليد التي كتبت ما عجز الآخرون عن كتابته، وكتابه الذي حمل تاريخ أمة بين جلدتين، وسيبقى «الكامل في التاريخ» شاهدًا على أن الكلمة الصادقة أقوى من صيحات المغول، وأبقى من قلاع الصليبيين.

بقلم: ثامر الحريصي
شاركنا رأيك في هذه المقالة
قد يعجبك أيضًا

مقالات ذات صلة

☕ صباحيات ثهلان

هل أعجبك هذا المقال؟

اشترك في «صباحيات ثهلان»: مختارات من جديد ثهلان وأعدادها، تصل إلى بريدك.