ذكرى تاريخية

الملحمة الأخيرة على أسوار عكا: يوم انكسر السيف الفرنجي في ديارنا

بقلم فهد بن ذياب بن سفران · 18 مايو 2026م · ٧ دقائق
حصار المماليك لمدينة عكا عام 1291م — صورة فنية مولدة بالذكاء الاصطناعي
صورة مولّدة بواسطة الذكاء الاصطناعي

في الثامن عشر من مايو لعام 1291 ميلادية، الموافق للسابع عشر من جمادى الآخرة عام 690 هجرية، كانت أسوار مدينة عكا الحصينة تهتز تحت وطأة التكبيرات ودقات الطبول المملوكية الضخمة التي ملأت الأفق بصخب الحروب الحاسمة. في هذا اليوم القائظ نجح السلطان الشاب الأشرف خليل بن قلاوون في اقتحام المعقل الأخير والأقوى للصليبيين في الشام، لينهي بذلك حقبة مريرة امتدت لمائة واثنين وتسعين عامًا من الصراع والدماء، ويعيد تشكيل جغرافية المنطقة الحضارية والسياسية، مغلقًا صفحة الحروب الصليبية في المشرق إلى غير رجعة.

لم تكن عكا مجرد مدينة ساحلية عادية عند غرة هذا العقد، بل تحولت على مدار قرن من الزمان، وتحديدًا منذ أن استعادها الصليبيون خلال الحملة الصليبية الثالثة بعد تحرير صلاح الدين الأيوبي للقدس، إلى عاصمة بديلة عُرفت بمملكة بيت المقدس الثانية. وقد غدت المدينة بمرور السنين ترسانة عسكرية مرعبة ومحصنة بأسوار مزدوجة مدعومة بأبراج ضخمة مثل (برج الملاحة) و(البرج الملعون)، كما أصبحت مقرًا رئيسيًا لأقوى التنظيمات العسكرية الدينية المحترفة كفرسان الهيكل والإسبتارية، ومرفأً بحريًا حيويًا يربطها مباشرة بالإمدادات القادمة من أوروبا، مما جعلها قلعة عصية على الانكسار.

وكان السلطان المنصور قلاوون قد عزم قبل وفاته على إنهاء هذا الوجود الاستيطاني تمامًا، فجهز جيشًا ضخمًا، لكن المنية عاجلته قبل أن يتحرك بركابه، فأخذ العهد من ابنه الأشرف خليل ألا يدفنه حتى يفتح عكا ويسحق آخر معاقل الفرنجة. وبرّ السلطان الشاب بقسمه، فجمع جيشًا جرارًا من جند مصر والشام، وتحركت الآلة العسكرية المملوكية بكفاءة تنظيمية عالية لتضرب حصارًا خانقًا على المدينة في أبريل من العام نفسه، مستعينة بأكثر من تسعين منجنيقًا، من بينها مجانيق ضخمة مرعبة كـ(المنصوري) و(الغاضبة)، والتي بدأت دك الأسوار بلا هوادة لستة وأربعين يومًا متواصلة.

ومع بزوغ فجر يوم الجمعة الثامن عشر من مايو، حانت ساعة الصفر، وأمر السلطان الأشرف بالزحف الشامل تحت غطاء كثيف من السهام ونيران النفط والمجانيق لتشتيت المدافعين على طول الخطوط الدفاعية. وبفضل بسالة المهندسين والمقاتلين المماليك تمكن المهاجمون من إحداث نقب وثغرة واسعة في البرج الملعون، ليتدفق الجيش الإسلامي كالسيل الجارف إلى داخل شوارع المدينة. ودارت إثر ذلك معارك شوارع طاحنة وضارية استمات فيها فرسان الهيكل والإسبتارية، غير أن التنظيم الهجومي الصارم للمماليك حسم المعركة سريعًا، وفر ملك عكا هنري الثاني ومعه كبار النبلاء عبر السفن نحو قبرص، تاركين وراءهم الحامية تتخبط في الفزع.

ولم تكن عكا مجرد مدينة تسقط، بل كانت حجر الدومينو الأخطر في المنظومة الصليبية برمتها، فبمجرد انتشار خبر سقوطها المدوي في ذلك اليوم تملك الرعب واليأس بقية الحاميات الصليبية المرابطة في المدن الساحلية الأخرى، فبادرت بالانسحاب والفرار بحرًا دون خوض معارك تُذكر، حيث سقطت صيدا في يونيو، وتلتها بيروت وحيفا في يوليو، ثم طرطوس وعتليت في أغسطس، لتتطهر بلاد الشام كاملة من أي معقل أجنبي.

موكب السلطان الأشرف خليل بن قلاوون بعد فتح عكا — تصوير فني مولد بالذكاء الاصطناعي
موكب السلطان الأشرف خليل بن قلاوون بعد فتح عكا — تصوير فني مولد بالذكاء الاصطناعي

انجلت غبرة الملحمة الكبرى ليدخل السلطان الأشرف خليل بن قلاوون دمشق ثم القاهرة في مواكب نصر تاريخية مهيبة، تُحمل بين يديه أعلام الصليبيين المنكسة ورؤوس قادتهم، وحظي بجدارة بلقب (مُحيي الملة وفاتح عكا). ولضمان عدم تكرار الغزو من وراء البحار، اتخذ السلطان قرارًا استراتيجيًا بهدم قلاع السواحل وإضعاف بنيتها التحتية، مع توجيه الجهود لتقوية وتحصين المدن الداخلية الكبرى مثل دمشق والقاهرة كخطوط دفاع أولى. وبناءً على هذا التحول البنيوي، يظل يوم الثامن عشر من مايو لعام 1291 ميلادية محفورًا في الذاكرة التاريخية كأحد أهم أيام الحسم، حيث بددت فيه العسكرية الإسلامية أوهام الاستعمار الصليبي، وطوت واحدة من أخطر صفحات الصراع بين الشرق والغرب، لتبدأ المنطقة عصرًا جديدًا تحت سيادة دولة المماليك المستقرة.

بقلم: فهد بن ذياب بن سفران
شاركنا رأيك في هذه المقالة