العهد المظلم: كيف حوّل مرسوم 1252 التاريخ إلى ساحة تعذيب؟

في صبيحة الخامس عشر من مايو عام 1252م، لم تكن الريشة التي غمسها البابا إينوسنت الرابع في محبرته تخطّ مجرد بنود قانونية كنسية، بل كانت تفتح ثغرةً في جدار الضمير الإنساني تسللت منها رياحٌ باردة لم تنقطع أصداؤها لقرون طويلة. في ذلك اليوم، ولد المرسوم البابوي «Ad extirpanda»؛ تلك الوثيقة التي لم تكن مجرد نصّ إداري عابر، بل كانت بمثابة (زلزال لاهوتي) أعاد صياغة علاقة الإنسان بالحق المقدس، معلناً في ميقاتٍ مظلم أن الحقيقة لم تعد تُطلب عبر الابتهالات الخاشعة في المحاريب، بل باتت تُنتزع من بين الضلوع والأعصبة في أقبية التفتيش الموحشة.

لقد تحول الجسد البشري في هذا اليوم من هيكلٍ إلهي مصان إلى (مادة للتحقيق) مستباحة باسم الحق المطلق، لتبدأ ملحمة (التفتيش) كأداة لاستئصال الأرواح قبل الأجساد في مشهدٍ تراجيدي لم يألفه العالم من قبل، حيث امتزجت قداسة الهدف بوحشية الوسيلة في مفارقة تاريخية كبرى، أدت إلى تحويل مسار العدالة الجنائية في أوروبا نحو هاوية الألم الممنهج.
إن هذا الفجر الدامي لم يبزغ من فراغ، بل كان وليد عاصفةٍ هوجاء أعقبت اغتيال المحقق البابوي (بيتر من فيرونا)، وهو الحدث الذي رأت فيه الكنيسة تهديداً وجودياً لكيانها وسلطتها، فصاغت مبرراتها بأسلوبٍ أسطوري يجعل من المهرطق — سواء كان من الكاثار أو الوالدانيين — ليس مجرد مخالفٍ في الرأي، بل (جذاماً) روحانياً وسارقاً لملكوت الله يستوجب الاقتلاع من جذوره حمايةً للجسد الاجتماعي المؤمن. ومن هنا، أُنزلت مرتبة المتهم إلى ما دون البشر ليصبح (عدواً) وجب استئصاله بكل وسيلة، وأُسقطت عنه كل حماية قانونية ليقف وحيداً أمام آلة تفتيشٍ لا ترحم، ترى في عذابه سبيلاً وحيداً لتطهير المجتمع من (خطيئة الشك).
وتتجلى عظمة المأساة في (المادة الخامسة والعشرين) من المرسوم، التي أحدثت انصهاراً تاريخياً ومخيفاً بين (السيف الروحي) للكنيسة و(السيف الزمني) للدولة؛ حيث أُلزم الحكام المدنيون — بأمر بابوي لا يُرد — بأن يتحولوا إلى (سدنة للألم)، يفتحون غرف التعذيب ويديرون آلات الحديد كالمخلعة والمهماز بطلبٍ مباشر من المحققين الكنسيين، في تحالفٍ جعل من الدولة ذراعاً باطشة للإرادة الدينية المطلقة، وألغى الحدود الفاصلة بين الخطيئة والجريمة.

لم يعد التعذيب في ظل هذا المرسوم فعلاً عشوائياً ناتجاً عن غضب لحظي، بل غدا (هندسةً دقيقة) وبيروقراطية باردة تُدار وفق لوائح ونظم؛ حيث وُضعت قيودٌ (رحيمة) في ظاهرها — كعدم بتر الأعضاء أو التسبب في الموت أو إراقة الدماء — لكنها في الجوهر كانت تهدف إلى تحطيم الإرادة الإنسانية ببطءٍ قاتل لا يترك أثراً سوى الندوب الغائرة في الروح والذاكرة. لقد آمن فقهاء تلك الحقبة بضرورة (تحطيم القشرة المادية) للوصول إلى الجوهر الكامن خلف الصمت، مدفوعين بفلسفةٍ ترى أن تعذيب الجسد الفاني هو (أسمى آيات الرحمة) لأنه يحمي الروح من «نار الأبدية»؛ وهو التناقض الرهيب الذي حوّل غرف التفتيش إلى (مختبرات روحية) دامية، يُجبر فيها الإنسان على الاعتراف بما يريد المحقق سماعه تحت وطأة وجعٍ يُدار ببرودٍ إداري، وتُدوّن فيه كل صرخةٍ وكل قطرة عرق في سجلاتٍ رسمية بصفة (اعتراف طوعي)، وكأن أنين المعذبين نصوصٌ مقدسة تمنح الجلاد وهم الانتصار على الهرطقة وحماية حياض الإيمان من الانهيار.
إن مرسوم «Ad extirpanda» يظل الذروة الدرامية التي وصل إليها القمع المؤسسي في التاريخ، واللحظة التي تحول فيها التاريخ فعلياً إلى (ساحة تعذيب كبرى باسم اليقين المطلق). لكن صرخات أولئك الذين استُبيحت أجسادهم في مثل هذا اليوم لم تذهب سدىً في مهب النسيان، بل كانت هي (المخاض الأليم) الذي ولدت منه لاحقاً قيم الكرامة الإنسانية وحرية الضمير التي ننعم بها اليوم في العصور الحديثة. لقد تعلمنا من دروس عام 1252م أن الحقيقة التي تُبنى على أنين الضحايا هي محض سراب، وأن العقيدة التي لا تحميها إلا السياط هي عقيدة تخشى النور وتفقد بريقها الروحي وجاذبيتها الإنسانية. واليوم، ونحن نستحضر هذا السرد المثقل بالمعاني، ندرك أن فجر (الإنسان الحر) لم يبزغ إلا حين انكسرت ريشة البابا أمام عظمة الروح البشرية الصامدة، ليُعلن التاريخ أن قداسة الإنسان أسمى من كل المراسيم، وأن الله لا يُعبد بالإكراه بل بالحب والحرية؛ لتظل ذكرى هذا اليوم درساً أبدياً في خطورة تسييس المقدسات وعنف المؤسسات عندما تظن أنها تملك الحقيقة المطلقة وتستبيح في سبيلها كل قيمة إنسانية فطرية.
المصادر والمراجع
تاريخ التفتيش وتأصيله — دراسة فقهية.
التاريخ الوجيز لمحاكم التفتيش في إسبانيا: جوزيف بيريز، ترجمة د. مصطفى أمادي.
محاكم التفتيش: د. علي مظهر، مصر الجديدة، 1947م.
من أوراق الحروب الصليبية ومحاكم التفتيش في إيطاليا: رمسيس عوض، القاهرة، مكتبة الشروق الدولية.