📜 نُشر هذا المقال ضمن العدد الخامس من مجلة ثهلان · محرم 1448هـ / يونيو 2026م
تصفّح العدد كاملًا ←
تجربة قراءة غامرة · حديث الكتب

جلال أمين وعقدة الخواجة

بقلم تركي بن سلطان القحطاني · 28 يونيو 2026م · 5 د. قراءة
غلاف كتاب رحيق العمر لجلال أمين
غلاف «رحيق العمر» لجلال أمين — منه تبدأ الحكاية.
«

«لا أشكُّ في أنه، في هذا الكتاب أيضًا، سوف يرى بعض القراء صراحةً أكثر من اللازم، والبعض الآخر صراحةً أقل من اللازم.»

بهذه الكلمات ختم جلال أمين مقدمة سيرته الذاتية «رحيق العمر». لم يكن هذا الكتاب مجرد سيرةٍ ذاتية يحكي فيها الكاتب فصولًا من حياته، بل كان كآلة التصوير يوثّق لنا المتغيرات والأحداث التي طرأت عليه وعلى القرن العشرين وبداية القرن الحالي.

حيث ندخل إلى كواليس تطور جلال الفكري وإنتاجه العلمي من مقالات ودراسات وكتب ومحاضرات.

القصة

غلاف كتاب حياتي لأحمد أمين
غلاف «حياتي» لأحمد أمين — أوّل لقاءٍ مع آل أمين.

بدأت حكايتي مع جلال أمين قبل عدة سنوات، حيث كنت مهتمًا بتاريخ الفكر الإسلامي وكيف تكوّن، فأرشدني أحد الأصدقاء إلى سلسلة الكتب التاريخية «فجر الإسلام، وضحى الإسلام، وظهر الإسلام، ويوم الإسلام» لأحمد أمين المفكر الموسوعي «والد جلال»، تناول فيها المفكر نشأة العلوم في الإسلام والمذاهب وتطور الفكر الإسلامي وتأثره بالثقافات والشعوب التي حكمتها دولة الإسلام.

لا أخفيكم أُعجبتُ جدًا بهذا المفكر وبطرحه وبأسلوبه العلمي — ولكن يظل هذا العمل عملًا إنسانيًا يحوي الصواب والخطأ — ومن هنا دفعني الفضول للتعرف على شخصية وحياة أحمد أمين، فاقتنيت سيرته الذاتية «حياتي»، كانت مليئةً بالمتعة والفائدة.

لم تنتهِ القصة بعد؛ ففي يونيو 2022م قرأت سيرةً ذاتية بعنوان «ماذا علمتني الحياة» لجلال أمين، كان مما شدّني جرأته وصراحته إلى درجةٍ يعدّها البعض «فضيحة»، إذ إنه أورد فيها بعض الرسائل التي كتبها والده في سنة 1917م يشكو فيها من قلة جمال زوجته وخيبة أمله، وكان والده إذ ذاك في عمر الثلاثين عامًا.

ثارت الساحة الثقافية، ودارت النقاشات، وكُتبت المقالات ما بين مؤيدٍ ومعارضٍ لطريقة جلال في سيرته، وقد تكلم وأسهب في هذا الموضوع جلال أمين بعد ذلك.

وأما أنا فلم تكن دهشتي لأجل ذلك فقط، إذ إني لاحظت الفرق الشاسع في أسلوب الوالد وابنه في كتابة سيرتيهما، خفّف هذه الدهشة تبرير جلال في مقدمة «رحيق العمر»..

إذ إن جلال يرى في هذه الرسائل وثيقةً تاريخية يجب أن تُنشر لعدة أسباب: تعطي لمحة عن عادات وتقاليد المجتمع في الزواج، إذ ذكر أحمد أمين بنفسه أن العملية أشبه بورقة اليانصيب. ويرى جلال أن الرسالة فيها نوعٌ من الطرافة والإنسانية، إذ على الرغم من تفكير والده وانشغاله بإشكالات الفكر والأدب، يظل إنسانًا يبحث عن الجمال. وكذلك ينوّه جلال بالفارق الكبير بين تاريخ كتابة هذه الرسائل وتاريخ نشرها، وأن بينهما ما يقارب القرن، تغيرت فيه الكثير من الأمور، فما كان غير مستحسن أصبح مستحسنًا، ويلقي الكاتب الضوء على التغير الاجتماعي الذي حصل في مصر طوال هذه الفترة.

نعود لقصتنا.

لم تنتهِ الحكاية مع آل أمين؛ ففي العام التالي لقراءتي كتاب «ماذا علمتني الحياة» لجلال، كنت أتجول في معرض الرياض الدولي للكتاب، ومررت بدار الهلال المصرية، وأثناء تقليبي للكتب لفت نظري كُتيبٌ مطبوع في عام 1985 من سلسلة كتب الهلال بعنوان «في بيت أحمد أمين» لحسين أمين، بالطبع أيها القارئ الكريم، وكما تبادر إلى ذهنك، اقتنيت الكتاب بحماسٍ كبير، وعند رجوعي للمنزل بدأت قراءة هذا الكتاب، ولم أَعِ بالوقت حتى أنهيته، كان كتابًا جميلًا وكاتبه ذو أسلوبٍ رائعٍ وأخّاذٍ كعادة آل أمين.

تنتقل بنا السنين والأيام إلى عام 2026 بالتحديد في 30 مارس، الساعة العاشرة مساءً، وعلى متن الطائرة، كان من حسن حظي أنَّ عدد ركاب الطائرة قليل، مما أتاح لي التركيز والاستمتاع بالهدوء، كنت قد اشتريت في اليوم الماضي من مكتبة التراثية كتاب «رحيق العمر»، بطلُ قصتنا.

لا أخفيكم ما إن شرعت في قراءة المقدمة حتى انتابني شعورٌ من الحزن يبعث على التشاؤم، وذلك بسبب كلام جلال أمين عن خيبة الآمال في الحياة:

«

«من الممكن وصف الحياة بأنها حلقات متتالية من خيبة الأمل.»

إذ إنه يرى أن الإنسان يتوق لتحقيق نجاحٍ معين، فإذا ناله طمع بنجاحٍ أكبر، فإذا ناله طمع أكثر، فيفشل وينكص خائبًا محملًا بخيبة الأمل..

صحيحٌ أن قناعته بها وجهة نظر، ولكن الإنسان المؤمن بأقدار الله وبقضائه لن يشعر بخيبة الأمل؛ لعلمه بأن كل شيءٍ مكتوب.

أحمد أمين وأبناؤه

صورة لأحمد أمين
أحمد أمين أستاذًا بالجامعة بعد أن استبدل الزيّ الأزهريّ بالزيّ الأوروبي (حوالي 1926).

يدخلنا جلال معه إلى أسرار شخصية أحمد أمين، حيث يذكر لنا أولويات والده في التربية، إذ يولي أحمد أمين للتعليم والصحة أولوية كبرى، ويرى جلال أنه قصّر معهم في تبادل الأحاديث والضحك معهم، وكعادة جلال في حبه لتحليل السلوك ودراسة المجتمعات يفسّر هذا الأمر بأن والده ينتمي إلى جيلٍ أكثر تحفظًا في تدليل الزوجات والأولاد.

عقدة الخواجة

جلال أمين شابًا
جلال أمين في العشرين — مرحلة التكوين الفكري.

كان أفضل فصلٍ بالنسبة لي «عقدة الخواجة»، إذ تكلم المؤلف عن تأثير شعور النقص إزاء الغربيين بصفةٍ عامة على الأجيال في مصر، ودرس تطور هذا الشعور على ثلاثة أجيال:

- **الجيل الأول:** منتصف القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، ممثلًا «بجده». - **الجيل الثاني:** بداية القرن العشرين إلى منتصفه تقريبًا، ممثلًا بأبيه. - **الجيل الثالث:** ممثلًا به.

يرى جلال بأن جده لم يتأثر بذلك الشعور لتشبّعه بالهوية الإسلامية، ولعدم رؤية جده للاختراعات الغربية العظيمة مثل القطارات والطائرات، وعلى عكس جيل والده الذي شاهد واستعمل هذه الاختراعات، وزاد هذا الشعورَ النظامُ التعليمي الحديث في مصر الذي عظّم كل غربي وحديث على حساب التراث.

كما يرى أن للمنتجات التي يتم استعمالها أثرًا كبيرًا على الهوية والثقافة.

ينتقل بنا جلال إلى جيله الذي تأثر بهذه العقدة بشكلٍ يفوق الجيل الذي قبله، وذلك نتاج ما سبق ذكره من مسببات، بالإضافة إلى دخول السينما لتكريس الدعاية الغربية، والموسيقى، ونمط الحياة، ومن وجهة نظري أن مما ساعد على ذلك حال أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية، إذ وفرت خطة مارشال الحماية والدعم الاقتصادي لأوروبا لمواجهة المد الشيوعي، مما وفر للأوروبيين كثيراً من الفرص في تنمية وتطوير الاقتصاد والأنظمة الاجتماعية والبنى التحتية.

نتج عن ذلك العدالة الاجتماعية، واحترام حقوق الإنسان، والرفاهية.

ومما ساهم في زيادة التغريب السياسات التي اتخذها جمال عبد الناصر، والذي عُرف بمواقفه المعادية للغرب، ولكنه كلما تحرر من السيطرة الغربية راح يقلد النموذج الغربي.

وكانت سياسة الانفتاح الاقتصادي التي طبقها السادات بَدْءًا من سنة ١٩٧٤ الخطوة الكبرى نحو التغريب، بسبب فتح الاستيراد على مصراعيه من دون قيود صارمة، مما ساهم في إضعاف المنتج الوطني، وزيادة عدد المهاجرين.

كل هذه التغييرات وسياسات التعليم المجاني التي بدأها وزير المعارف سنة ١٩٥٠م “طه حسين”، والإصلاح الزراعي ومشاريع التأميم، أدت إلى حراك اجتماعي كبير في مصر.

أسهمت هذه السياسات في تفتيت الطبقات الاجتماعية وتبادل الأدوار، حيث ارتقت بعض الطبقات بسبب التعليم المجاني إلى الطبقة الوسطى، والعكس صحيح، وقس ذلك على تأثير السياسات الأخرى، شبه جلال هذه المتغيرات التي حدثت في مصر تشبيهاً رائعاً، جعل مصر كالعمارة المؤهلة بالسكان، وحدثت متغيرات جعلت السكان الذين يعيشون في الأعلى يجب أن يبادلوا مساكنهم مع الذين يعيشون في الأسفل، وفي أثناء الانتقال تلاقى السكان في المنتصف، وتزاحموا، وارتفعت الأصوات، وتشابكت الأيدي.

تصوّر تجريدي للتغيرات الاجتماعية في مصر: أهالي عمارة ينتقلون بين طبقاتها في تزاحمٍ يعكس اختلاط الأدوار وتبادل المساكن.
تصوّر تجريدي للتغيرات الاجتماعية في مصر: أهالي عمارة ينتقلون بين طبقاتها في تزاحمٍ يعكس اختلاط الأدوار وتبادل المساكن.

هذا التغيير لم يكن حكرًا على مصر فقط، بل كان ظاهرةً سرعان ما عمَّت العالم، معلنةً دخول عصر العولمة.

تميّز جلال أمين في أبحاثه وكتاباته الاقتصادية بعدم إغفال عوامل مهمة مثل: العامل التاريخي، والعامل الاجتماعي، والعامل السياسي، وتأثيرها على حركة الاقتصاد.

في الختام

جلال أمين في الستين
جلال أمين في عمر الستين.

من البديهي والمكرر القول بأن كتاب «رحيق العمر» مليءٌ بالتجارب المثرية والمواقف الطريفة، والأسلوب الجميل في السرد.

بقلم: تركي بن سلطان القحطاني
شاركنا رأيك في هذه المقالة
قد يعجبك أيضًا

مقالات ذات صلة

☕ صباحيات ثهلان

هل أعجبك هذا المقال؟

اشترك في «صباحيات ثهلان» لتصلك يوميًا أبرز المقالات والقصص التاريخية والثقافية.

من العدد الخامس
عُد إلى صفحة العدد ←