كرة القدم.. حين يكتب «المستطيل الأخضر» تاريخ العالم

لم تكن كرة القدم يومًا مجرد قطعة من الجلد يركض خلفها اثنان وعشرون لاعبًا، بل كانت دائمًا مرآةً صقيلة تعكس تحولات السياسة وتوازنات القوى وصراعات الأيديولوجيا عبر التاريخ. من يقلب صفحات الماضي، وتحديدًا منذ وضعت جامعة (كمبريدج) أول قانون رسمي للعبة عام 1863م لمنع الرفس والعرقلة، يدرك أن هذه اللعبة وُلدت لتضبط إيقاع الشغف البشري وتحوله من نزاع بدائي إلى تنافسية مقننة.
وعندما أطلق الفرنسي جول ريميه فكرته المجنونة بتأسيس بطولة كأس العالم عام 1904م، والتي استضافت أوروغواي نسختها الأولى عام 1930م، لم يكن يعلم أنه يفتح الباب أمام تدوين (تاريخ موازٍ) للعالم، تاريخٌ لا يكتبه المنتصرون في الحروب بالسلاح، بل يكتبه المبدعون بأقدامهم على عشب الملاعب.

لقد اقتحمت السياسة هذا المعترك مبكرًا، فلم تكن بطولة عام 1934 في إيطاليا مجرد حدث رياضي، بل تحولت إلى مسرحٍ دعائيٍ مكشوفٍ للديكتاتور موسوليني الذي رفع شعار (الفوز أو الصمت للأبد)، مجبرًا لاعبي (الآتزوري) على خوض مونديال فرنسا 1938م بالقمصان السوداء الفاشية تحديًا للجماهير. وفي المقابل، سجّلت البطولات قصصًا إنسانية ملهمة تكسر كل القيود، كقصة النجم الأوروغوياني هكتور كاسترو (المانكو) الذي تحدى إعاقته وبتر ذراعه ليسجل في نهائي 1930م، أو ذاك الموقف النبيل لمنتخب الهند عام 1950م الذي آثر الانسحاب على أن ينصاع لقرار منعه من اللعب حافي القدمين.
إن الدراما التي صاغتها الساحرة المستديرة تفوق خيال أشهر كتّاب المسرح، فمن صدمة (الماراكانا) عام 1950م وبكاء مائتي ألف برازيلي أمام صمود أوروغواي، إلى (معجزة بيرن) عام 1954م التي أعادت لألمانيا الغربية كبرياءها المفقود بعد الحرب عبر بوابة إسقاط المجر المرعبة، يتضح أن المونديال كان دائمًا محطة لإعادة صياغة الهويات الوطنية.
ولم يكن الشغف العربي بعيدًا عن هذا المزيج، فمنذ وطئت أقدام المصريين ملاعب إيطاليا عام 1934م بأهداف عبد الرحمن فوزي، مرورًا بملحمة تونس عام 1978م وإسقاط المكسيك، وزلزال الجزائر في شباك الألمان عام 1982م، وصولًا إلى تألق المغرب الخالد عام 1986م والصقور الخضر عام 1994م، أثبتت شعوبنا أن الكرة هي المساحة الأجمل للتعبير عن الذات والوصول إلى العالمية.
في النهاية يبدو أن التاريخ لا يُكتب فقط في ردهات البرلمانات أو رصاص المعارك، بل يُكتب أيضًا بصافرة حكم (تلك التي ظهرت لأول مرة عام 1878م)، وبلحظة جنون عابرة يصنعها (بيليه) أو (مارادونا) أو (بكنباور)، لتبقى كرة القدم الشاهد الحي على أن الشعوب مهما اختلفت لغاتها تتوحد خلف راية الشغف المستدير.
المصادر والمراجع
- موسوعة كأس العالم، د. ياسر ثابت.
مقالات ذات صلة
هل أعجبك هذا المقال؟
اشترك في «صباحيات ثهلان» لتصلك يوميًا أبرز المقالات والقصص التاريخية والثقافية.


