
بينما تعمق عالم الاجتماع الفرنسي غوستاف لوبون في آلية عمل الحشد في كتابه الشهير سيكولوجية الجماهير، كان الفيلسوف الأمريكي إريك هوفر يبحث عن الأسباب التي تجعل الأفراد ينضمون لتلك الحركات الجماهيرية، وكانت نتيجة ذلك البحث كتابته لكتابه الذي أراه لا يقل شأنًا عن كتاب لوبون، والذي سمّاه بالمؤمن الصادق.
فما هي الأساسات التي يقوم عليها كتاب المؤمن الصادق؟ وما هي العوامل التي تساعد في تحويل مواطن طبيعي تمامًا لمتطرفٍ مستعد للموت دفاعًا عن الجماعة التي أصبح جزءًا منها؟
جاذبية الحركات الجماهيرية
يقسم هوفر الكتاب لأربعة أقسام رئيسية، يبدأها بالقسم الأول: جاذبية الحركات الجماهيرية.
ومن أهم العوامل المؤثرة في جاذبية الحركة بالنسبة لهوفر هو الرغبة في التغيير، فلا يمكن لحركة أن تقوم بدون أن يظهر سخط تجاه الحاضر، واعتقاد بأن الحياة الحالية غير مقبولة، والإيمان بوجود مستقبل أفضل.
ومن العوامل التي تجذب الفرد تجاه الحركة هو قابليتها للاستبدال، فصدق أو لا تصدق، الكثير ممن ينضمون للحركات الجماهيرية لا ينضمون لإيمانهم الأعمى بمعتقداتها وأيديولوجيتها، وإنما لاكتساب هوية، شعور بالقوة، أو تحقيق هدف بعينه، ويستشهد بقصة رئيس الوزراء الإسرائيلي الأول، حاييم وايزمان عندما نقل عن والدته قولها: (كل ما يمكن أن يحدث سوف يكون سارًا، إذا كان صموئيل الابن الثوري على حق فسوف نكون سعداء في روسيا، وإن كان حاييم الابن الصهيوني على حق فسوف نعيش في فلسطين).
الفقراء، المهمشون، والمحبطون
في القسم الثاني من الكتاب، ينتقل هوفر للحديث عن الأتباع المتوقعين للحركات الجماهيرية، ورغم ذكره للكثير من الفئات، كالأنانيين، المحبطين، الفقراء، مرتكبي المعاصي، الأقليات وغيرهم، ورغم اختلاف دوافعهم، فالبعض يبحث عن المغامرة والتغيير، والآخر يبحث عن المغفرة من خلال المشاركة ضمن قضية كبرى، إلا أن ما يجمعهم هو الرغبة في تغيير الواقع، والذوبان في جماعة واحدة، لاكتساب هوية موحدة.
من الفرد إلى الحشد
يذوب الفرد في الجماعة، فتصبح الجماعة جزءًا لا يتجزأ منه، بل قد يكرس حياته بما فيها للحركة، ويذكر هوفر في الفصل الثالث بعض الطرق التي تجعل الفرد يتماهى مع الجماعة، بدايةً من الموسيقى والأهازيج الجماعية، الأزياء الموحدة، والطقوس والمراسم المشتركة، وصولًا إلى الكراهية، تلك التي تنسي الفرد يومه، وحياته ومستقبله، لتجعله شخصًا لا هوية له، يتحرق رغبةً في الالتحام بالأجزاء التي تشبهه، أو كما يقول هوفر في كتابه في الصفحة 147، عندما ذكر سؤال هتلر عما إذا كان من الضروري إبادة اليهود، فقال: (كلا… لو زال اليهود لكان علينا اختراعهم… من الضروري أن يكون هناك عدو ملموس لا عدو مفترض).
البداية والنهاية
باقترابنا من إنهاء هذا الكتاب المثير، يفصل هوفر في طريقة قيام بعض الحركات الجماهيرية، بدايةً من رجال الكلمة، وهم الأدباء، الخطباء، والمفكرون، حيث تعبر هذه الشخصيات غالبًا عن السخط تجاه الوضع الراهن، والرغبة في مستقبل أفضل، سواء بالعودة لنموذج من الماضي، أو بالإيمان بمستقبل يسمو فوق كل نموذج سابق… ويلي هذه الفئة المتطرفون، وهم أولئك الذين يبسطون تلك الأفكار، ليحولوها لشعارات بإمكانها الوصول للعامة، وصولًا للرجال العمليين، وهم القادة والمنظمون الذين يستلمون زمام الحركة، ليحولوها لنظام ثابت، لا مجرد مجموعة من الشعارات الرنانة.
وقد يأتي شخص ليسأل كيف نفرق بين كل شخصية من هذه الشخصيات؟ وهل هي شخصيات منفصلة أم لا؟
إريك هوفر يجيب بأن كل شخصية من تلك الشخصيات تستطيع القيام بأكثر من دور، إلا أنها غالبًا تعود لدورها الأساسي.
فمثلًا، عندما يحاول خطيب أن يقوم بدور متطرف قد ينجح، لكن الجماهير بطبيعة الحال لا تحب الأفكار المعقدة وصعبة الفهم، وبطبيعة الحال، عندما يرى رجل الفكر أن أفكاره يتم أخذها على منحى لا يريده ولم يكن يقصده، أو عندما يشتد الصراع على السلطة، قد ينسحب من هذا الدور، كما فعل تروتسكي تحت ضغط الحرب الأهلية وانهيار الإمبراطورية الروسية!
وبالنسبة للمتطرف، رغم كونه من يشعل لهيب الجماهير ويجعل من الحركة شيئًا ملموسًا، إلا أنه، وبشكل غير مستغرب، نادرًا ما يرضى بقيام نظام ثابت، فالمتطرف عادةً شخص صعب الإرضاء، لا يبحث عن البناء بقدر ما يبحث عن الهدم والعودة من الصفر، وهذا ما يجعل قيادته للحركة كرجل عملي شبه مستحيل، ولنا في هتلر خير مثالٍ على ذلك، مثال على المتطرف الذي تمكن من تحويل الحركة إلى نظام، إلا أنه، ورغم ما واجهه من تحديات ومشاكل، رفض تغيير ذلك النظام ليتواءم مع المجتمع الدولي، فسقط نظامه على رأسه!
وأما الرجل العملي، فهو القائد الذي يتمتع بالمرونة، فليس بالضرورة أن يلتزم بالشعارات التي نادى بها المتطرف، فمهمته تقوم على إقامة نظام يمكنه الصمود أمام التحديات المستقبلية.
الحركات الجماهيرية النافعة والضارة
يختم هوفر كتابه بهذا الفصل، حيث يتحدث فيه عن المرحلة النشطة للحركة، العوامل التي تحدد طول المرحلة، والحركات الجماهيرية النافعة والضارة، فليست كل الحركات الجماهيرية على حد قوله ضارة، فإذا استطاعت الحركة نقل المجتمع من حالة سيئة لوضع أفضل فهي حركة نافعة، ولكن خطرها يظهر عندما تستمر عقلية الحركة الجماهيرية في التعبئة والتطرف بعد انتهاء الحاجة إليها!
أختم هذه المقالة برأيي في هذا الكتاب، والذي أراه كتابًا هامًا لا يمكن الاستغناء عنه لكل من يريد فهم الحركات الجماهيرية والتطرف، بدايةً من أفكاره الهامة، وحتى تقسيم فصوله الممتاز وعناوينه الفرعية، وصولًا للأمثلة التاريخية التي يستدل بها.
وتكمن أهمية كتاب المؤمن الصادق في كونه لا يعطي إجابات جاهزة بقدر ما يعطي القارئ أسئلةً في طبيعة الإنسان عندما يصبح جزءًا من جماعة، فهو ليس كتابًا يُقرأ لفهم كيف تعمل الحركات الجماهيرية في الماضي وحسب، وإنما هو مدخل مهم لفهم كيفية نشوء هذه الحركات واستمرارها وتأثيرها في المجتمعات.
مقالات ذات صلة
هل أعجبك هذا المقال؟
اشترك في «صباحيات ثهلان»: مختارات من جديد ثهلان وأعدادها، تصل إلى بريدك.





