
أولئك الراغبون بكسب ود الأمير سيتقربون له بالهدايا التي ستسر قلبه، ولهذا نرى الأمراء وقد عُرضت عليهم الجياد والأسلحة والثياب الموشاة بالذهب وما يشابهها من المقتنيات، ولم أجد في ممتلكاتي شيئاً ذا قيمة كبيرة أكثر من معرفتي بأفعال الرجال العظام.
هذه كانت مقدمة أحد أكثر الكتب إثارةً للجدل، ليس في العصر الذي صدر به وحسب، بل في التاريخ بأكمله…
فما هي قصة كتاب الأمير؟ وكيف تحول اسم ميكيافيلي لمصطلح يدل على الشر والأنانية؟ ولماذا سماه الكثيرون بظل الشيطان على الأرض؟
١٤٦٩…
السنة التي شهدت فيها فلورنسا ولادة أحد أبرز المفكرين في عصر النهضة، نيكولو برناردو ميكيافيلي، والذي ولد لأب امتهن المحاماة، وتربى على الفكر المسيحي، ليقتحم ساحة السياسة بتعيينه عام ١٤٩٤ في منصب سياسي بعد سقوط آل ميديتشي، إحدى الأسر التي كانت تحكم إيطاليا بذلك العصر الفوضوي، الذي كان يتسم بصعود حكام وسقوط آخرين بشكل غير متوقع!

دوق فالنتينو
تشيزاري بورجا، أحد قلائل الرجال الذين ألهموا ميكافيلي في مسيرته السياسية، حيث اتسم بالدهاء، والمكر، وبالطبع، بالدموية!

ومن ضمن القصص التي يذكرها ميكافيلي لهذه الشخصية المستبدة، هي القصة التي حكاها عندما أمر تابعه روميرو بأن يحكم قبضته على السلطة في روما بأعنف الوسائل، والمفاجأة التي انتظرت شعب روما في منتصف ساحة المدينة، حيث وجدوا روميرو مقطوعاً من النصف في مشهد لا يصدق، في رسالة واضحة: أنا الوحيد الذي بإمكانه الانتقام من السفاح الذي أساء لكم، رغم كونه الشخص الذي أعطى لذلك الجزار الضوء الأخضر، فجسد بذلك مقولة ميكافيلي التي يقول فيها: «يجب على المرء أن يكون ثعلباً ليتعرف على الفخاخ، وأسداً ليرهب الذئاب»!
عودة آل ميديتشي
عندما عادت أسرة ميديتشي للحكم، بدأت في تصفية الخونة والذين اعتقدوا أنهم كانوا مؤيدين للنظام الجمهوري، والذي كان محور حديثنا أحدهم!

حيث تم اتهامه بالتآمر على العائلة، وتأييد النظام الجمهوري، استناداً لورقة حملها المتآمر بيير باولو بوسكولي، والتي احتوت على قائمة تحمل ٢٠ اسماً تضمنت اسم ميكافيلي، وهي لأشخاص يُعرف عنهم ميلهم للنظام الجمهوري، فتم اعتقال ميكافيلي واقتياده لقصر بارجيلو، وتعذيبه بالجهاز المعروف تاريخياً بالسترافادو!
خلع في الكتفين
كما يعلم الكثير، تفنن الأوروبيون في العصور الوسطى وفي محاكم التفتيش في اختراع وسائل التعذيب، وكانت هذه الآلة بالتحديد، السترافادو Strappado، أحد أقسى تلك الوسائل، حيث يتم فيها ربط يدي المجرم -وقد يكون الضحية- خلف ظهره، وتحديداً المعصمين، ثم يسحب الجلاد الحبل ليرفعه عالياً، فترتفع يداه للأعلى في وضعية غير طبيعية، ويسقطه بشكل مفاجئ ثم يشد الحبل بقوة قبل سقوطه بسنتيمترات قليلة، ليصاب المجرم بخلع فوري للكتفين، بالإضافة لتمزق بالأوتار والأربطة، مع احتمالية حدوث شلل مؤقت أو دائم، وفي حالة المفكر الذي نتحدث عنه، فقد تحمل ٦ سقطات من هذه الآلة بدون أن يذكر اسماً واحداً أو يعترف بتآمره ضد آل ميديتشي، لأنه وكما يرى نفسه… بريء!
من ميكافيلي إلى «الأمير» لورينزو العظيم
كان هذا الإمضاء الذي وضعه ميكافيلي على رسالته التي سيرسلها لأمير آل ميديتشي الشاب، لورينزو، والتي ستصبح كتابه الأكثر إثارةً للجدل…
نعم! لم يؤلف ميكافيلي كتاب الأمير، بل كانت رسالة مناصحة، أرسلها لأمير العائلة الشاب، يخبره فيها بخبراته العملية في منصبه السابق، ويرشده للطريقة التي يراها الأفضل لتوحيد الإمارات الإيطالية، لا بالحب والثقة، بل كما يقول في كتابه: «من الأفضل بكثير أن يُهابك الناس على أن يحبوك، إذا تعذر الجمع بينهما؛ لأن الحب عقد يقطعه الناس عند أول بادرة لمصلحتهم، أما الخوف فيظل قائماً برهبة العقاب التي لا تفارقهم أبداً»…
فكانت رسالةً ينصح بها الأمير لورينزو، ويلمح فيها لرغبته في العودة لمنصبه السابق، والتي تم تسميتها لاحقاً نسبةً للشخصية التي استهدفتها الرسالة… الأمير!
كتاب الشيطان
احتوى الكتاب على نصائح تساعد الأمير في تثبيت حكمه، ورغم أن ميكافيلي لم يأتِ بجديد بشهادة الكثيرين، ومنهم محمد علي باشا، حيث كان مساعدوه بصدد ترجمة كتاب الأمير لأجله، إلا أنه أوقف استكمال الترجمة لأنه لم يرَ فيه فائدة تذكر، حيث قال: «إني أرى بوضوح أنه ليس لدى مكيافيلي ما يمكنني أن أتعلمه منه. فأنا أعرف من الحيل السياسية فوق ما يعرفه هو، فلا داعي للاستمرار في ترجمته»، ورغم ما تثبته هذه القصة من كون الكتاب لم يأتِ بشيء جديد، وإنما عرّى الأساليب التي ادعى كثير من حكام أوروبا التبرؤ منها، إلا أن العداء الذي ناله المفكر الإيطالي استمر في الازدياد، بل وصل العداء لخشبة المسرح، وتحديداً للشاعر ويليام شيكسبير!
هل أنا ميكافيلي؟
لم يكن تشويه السمعة الذي ناله كتاب الأمير ومؤلفه محض شائعات من العامة، وإنما وصل للعداء المباشر الذي لقيه من البابا، والفلاسفة المثاليين والأخلاقيين، بل والأدباء كشيكسبير، حيث تتفاخر إحدى شخصيات مسرحياته المشهورة بقدرتها على الخداع السياسي قائلةً: «يمكنني أن أعلم ميكافيلي القاتل دروساً»، وفي موضع آخر حيث تقول: «يمكنني أن أبتسم، وأقتل وأنا أبتسم»، ورغم ما ينعته به شكسبير من ألقاب، كالشرير أو الحرباء المتلونة وغيرها من الألقاب، إلا أنه -وحسب بحثي الشخصي- لم أجد وثيقة واحدة تشير لكون ميكافيلي قد قتل شخصاً بيديه أو أمر بقتل أو إعدام شخص، فقد كان سياسياً متأثراً بالطغاة لا طاغيةً بحد ذاته!
الميكيافيلية

وفي عام ١٥٢٧، توفي (أبو الواقعية السياسية) تاركاً وراءه رسالةً أثارت جدلاً يستمر ليومنا هذا، فحتى وزير الخارجية الأمريكي هنري كيسنجر ألقى كلمةً يوضح فيها فلسفته في لقاء شهير نُشر نصه في مجلة «ذا نيو ريببليك» عام ١٩٧٢، فعقب مضيفه بعد أن سمعه يناقش الدور الذي يضطلع به بصفته مستشاراً للرئيس، بقوله: «المرء، إذ يسمعك، لا يتساءل إلى أي حد أثرتَ على رئيس الولايات المتحدة، بل إلى أي حد تأثرتَ بمكيافيللي… وهذا تلميح كان كيسنجر حريصاً أشد الحرص على أن يدحضه. هل كان كيسنجر مكيافيللياً؟ كلا، على الإطلاق. ألم يتأثر بمكيافيللي إلى حد ما؟ كلا البتة.»… فلا تزال تلك السمعة السيئة تطارد ذلك المفكر رغم مرور ما يزيد عن ٥٠٠ عام، تاركةً سؤالاً لكل من يبحث بعمق في هذه الشخصية، ولكل من يقتبس مقولاته الجدلية: هل كان ذلك المفكر الذي عاش في عصر النهضة شريراً ومبرراً للشر كما يشاع؟ أم أنه مجرد شخصية تاريخية تم تشويهها من قبل أعدائها؟ هل كان ميكافيلي الشيطان الذي صنع أميراً أسود، أم أن ذلك الأمير كان «الوجه» الذي أراد أعداؤه إخفاءه عن العامة؟
مقالات ذات صلة
هل أعجبك هذا المقال؟
اشترك في «صباحيات ثهلان»: مختارات من جديد ثهلان وأعدادها، تصل إلى بريدك.





