حديث الكتب: مراجعة حارقة لأحداث رواية (فخاخ الرائحة)

طراد
تبدأ القصة مع طراد “القهوجي” في الوزارة، ابن القبائل البدوي ذي الأذن اليسرى المقطوعة، كان طراد تائهًا في قسوة ظلمات المدينة، يسمع النكات والإهانات تنهال عليه من موظفي الوزارة، يربط الشماغ الأحمر بشكلٍ جيد لكي يغطي هذه العاهة، وفي مرة من المرات سخروا منه وعرقلوه وسحبوا شماغه ليكتشفوا هذا السر، ويقذفوا النكات والضحكات تلو الضحكات، وشبّهه أحدهم بالفنان فان جوخ الذي أهدى أذنه لحبيبته. يستذكر طراد هذه الأحداث في صالة السفر، حيث اتخذ القرار بمغادرة هذه المدينة البائسة، وفي أثناء انتظار رحلته أثار انتباهه ملفٌ أخضر، تلفت يمنة ويسرة لكي يتأكد بأن أحدًا لم يلاحظه. قبل أن نكمل يجب توضيح سبب قطع أذنه اليسرى؛ كان طراد فيما مضى فارسًا لا يشق له غبار، يقطع قوافل الحاج ويغير على المسافرين، ولكنه كان يكتفي بأخذ الغنائم دون قتلهم، صادق البراري والخباري وصادق العوشز والرمث، والتقى برجل أراد سرقته ولكنه تصارع معه وأعياه ولم يظفر أحدهما بالآخر فتصادقا، وكان اسم صاحبه نهار. كانوا يشتمون رائحة القوافل قبل الإغارة عليها إلى أن فشلوا وانكشف أمرهم أثناء إغارتهم على قافلة حج، وقرر الأمير دفن أجسامهم وإبقاء رؤوسهم مكشوفة، وعندما انتصف الليل دلت رائحة تعرقهم الإنسانية سرحان الذئب، فأكل رأس نهار واكتفى بقطف أذن طراد.
الملف الأخضر
كان الملف الأخضر يعود إلى ناصر عبدالإله، اللقيط الأعور الذي التهمت عينه قطة شاردة عثرت على جنين مرمي بجوار مسجد عبدالله بن الزبير بكرتون موز!
الثمرة
ناصر ثمرة عشقٍ لم يكتمل، نتيجة رعشة بالسر، نتيجة حكاية كُتب لها النهاية قبل أن تنضج، كان أبوه سائق الكرسيدا طراز 78، سائق التكسي، ابنًا لقبيلة، وأم ناصر اللقيط لم تكن تنتمي لقبيلة، ولذلك انتهت قصة العشق هذه بوصول ناصر لدار الأيتام.
العم توفيق
تنتقل بنا الرائحة إلى العم توفيق أو توفيق العبد، زميل طراد في العمل، نقلته أمواج البحر الأحمر من حضن أمه الدافئ بسبب الجلابين الذين كانوا يخطفون الأفارقة لبيعهم، اغتُصب في السفينة من قبل رجل إريتري، وسكن في حارة محلة المظلوم عند أبي يحيى الذي كان يبيع العبيد ويبدو بالسر، وأُخصي هناك بعد أن خدروه برائحة. باعه أبو يحيى إلى عائلة غنية وخدم هناك عند السيدة، ومن ثم سائقًا لها، وبعدها بستانيًا عندما كبر في السن، كانت السيدة عقيمًا ولذلك تبنت ناصر، ولكن لسوء حظه حملت وارتكب جريمة بأنه بال بالبستان، فتم طرده.
الانطباع
هذه هي قصة الرواية باختصار مخلّ، يناقش الروائي يوسف في هذه الرواية عدة قضايا، منها قضية العنصرية القبلية وكذلك أزمة العبيد وعتقهم في الستينيات، ويناقش أزمة دور الأيتام ويجسد معاناتهم بداية من الميلاد والهوية وكذلك طريقة حياتهم في الدور والأزمات النفسية، ويربطها كلها من دون أن يذكر ذلك بتفرقة بين القبيلي وغير القبيلي وبالحب الذي لم يكتمل. تتميز الرواية بأنها ابنة مجتمعنا، أحسست بالألفة أثناء قراءتها، تمنيت لو أن المحيميد خفف أو لم يستعمل العامية في الرواية، فقد جرح العين بكثرتها في الحوارات، زد على ذلك الكلام الإنجليزي المكتوب بالعربي مثل “كاونتر” و”موديل” وكأن اللغة عاجزة عن التعبير!
من أجمل ما أعجبني ربط أحداث الرواية بالرائحة، التي كانت ترمز إلى البون الشاسع بين البداوة والمدينة، بين الفقر والغنى، بين الإحجام عن اتخاذ القرار والتردد وبين الإقدام، الرائحة تعيد وتنشط استحضار الذكريات حلوها ومرها، كل أبطال الرواية كانوا ضحايا فخاخ الرائحة، فقد جعل الكاتب الرائحة وعاءً للذاكرة الفردية المشتركة بين شخصيات الرواية.. ربط جميل وعبقري وآسر جدًا.
رواية تحمل بين دفتيها رائحة غضا نجد.
مقالات ذات صلة
هل أعجبك هذا المقال؟
اشترك في «صباحيات ثهلان»: مختارات من جديد ثهلان وأعدادها، تصل إلى بريدك.





