📜 نُشر هذا المقال ضمن العدد السابع من مجلة ثهلان · سبتمبر 2026م
تصفّح العدد كاملًا ←

بلجريف كما يقدمه الدكتور: صلاح السندي

بقلم فريق رحال · 13 سبتمبر 2026م · 8 د. قراءة · العدد السابع
حجم الخط
100%
بلجريف كما يقدمه الدكتور: صلاح السندي
صورة أرشيفية حقيقية

نرحب في لقائنا الثاني من سلسلة لقاءات «رحال» بالرحالة الإنجليزي: بلجريف.

فريق رحال: أهلًا وسهلًا بك يا بلجريف.

بلجريف: أهلًا وسهلًا بكم، وسعيد بتواجدي معكم اليوم، وآمل أن يخرج حوارٌ مُثرٍ للسادة القراء.

فريق رحال: هذا يعتمد على مدى مصداقيتك وشفافيتك معنا، لا نريد شخصية الجاسوس اليوم!

بلجريف: سأكون شفافًا معكم، لا تقلقوا.

فريق رحال: ممتاز، عرِّفنا على نفسك.

بلجريف: أنا وليم جيفورد بلجريف، الإنجليزي الأصل، ولدت سنة 1826م، من أب يهودي اشتهر بالعلم والأدب.

فريق رحال: إذًا أنت إنجليزي ومن سلالة يهودية، يا له من تعريف مشوِّق لمعرفة ما الذي أتى بإنجليزي يهودي إلى الجوف وحائل والقصيم! أخبرنا عن مسيرتك العملية.

بلجريف: سأخبرك، التحقت بالجيش البريطاني بعد تخرجي من جامعة أكسفورد، وتعيَّنت في بومباي، ولكني انسحبت من الجيش بعد سنة لأنضم إلى جماعة الآباء اليسوعيين النصرانية.

فريق رحال: يتضح لنا من حديثك أن لديك نزعة دينية وتديُّنًا عاليًا لدرجة أنك تخلَّيت عن مكانك في الجيش لانضمامك إلى الجماعة النصرانية!

بلجريف: نعم، بل واصلت مشواري إلى أن أصبحت قسيسًا في البعثة التبشيرية بلبنان.

أتعلمون؟ لا أنسى تلك الفترة التي كنت فيها قسيسًا في البعثة التبشيرية، لقد تجرَّعت المرارة في تلك الأيام، خصوصًا في لبنان، فقد نجوت من مذبحة الدروز ضد النصارى بأعجوبة!

فريق رحال: يا لها من مسيرة ملحمية. أكمل، هل انتهت مسيرتك العملية بعد مذبحة لبنان؟

بلجريف: لا، لقد قدت حملة في أوروبا لإنقاذ نصارى لبنان.

فريق رحال: كيف كنت تتواصل مع نصارى لبنان في لبنان أو حتى في أوروبا؟

بلجريف: لقد تعلمت العربية قبل مذبحة لبنان، وتعلمت غيرها من اللغات الأخرى.

فريق رحال: وما الدافع الذي يجعلك تتعلم لغات أممٍ لتختلط بينهم؟

بلجريف: أتحفظ عن الإجابة.

فريق رحال: نراك مريبًا يا بلجريف، ولديك خطوات وتقلبات لا تبرير لها، بل حتى الذين كانوا حولك لا يفهمون شخصيتك المتقلبة. ودليل تقلبك سمعنا أنك تركت الكنيسة الكاثوليكية وحوَّلت عنها، هل هذا صحيح؟!

بلجريف: نعم صحيح، تركت الكنيسة الكاثوليكية وحوَّلت إلى البروتستانتية.

فريق رحال: دعنا عن الجانب الديني الآن، وأخبرنا عن جانبك العملي أكثر.

بلجريف: حسنًا، انضممت إلى الخارجية البريطانية، ثم تنقلت بين عدة مناصب.

فريق رحال: نجدك بعد المذبحة التي وقعت في لبنان انضممت في مناصب الدولة وأصبحت مقربًا إلى السلطات، فهل مذبحة لبنان أعادت تشكيل ما بداخل بلجريف؟

بلجريف: نعم، بعد المذبحة أصبحت لدي طموحات وأريد تحقيقها أيًّا كان ثمنها، حتى أنني حملت لواء الدفاع عن قضية النصارى في شتى المحافل، حتى أصبحت مقرَّبًا لدى البابا في روما خاصة وفي أوروبا قاطبة.

فريق رحال: يا للعجب! وما الخطوة التي كانت بعد اقترابك من البابا؟

بلجريف: لم أكتفِ بقربي من البابا، كانت لدي طموحات أكبر من مجرد الوصول للبابا. الخطوة التالية كانت أنني وجدت مفاتيح تحقيق أحلامي وطموحاتي في شخصية نابليون الثالث إمبراطور فرنسا، الذي يعتبر نفسه حاميًا لنصارى الشرق، ويحلم بتأسيس محميتين عربيتين إحداهما في مصر والأخرى في سوريا ولبنان، ويحدوه الشوق إلى توسيع نفوذ إمبراطوريته فيما وراءها.

فريق رحال: لم نفهم! ما الرابط بينك وبين الإمبراطور ومحمياته التي في مصر وسوريا ولبنان، وكيف أتيت إلى الجزيرة العربية إذا طالما لم تكن هي من ضمن القائمة؟

بلجريف: أخبركم، أنا استغليت فرصة أتت لتحقيق طموحاتي، وتماشت مع فكر الإمبراطور التوسعي، وهي أنني عرضت عليه أن تكون الجزيرة العربية ذات الثقل الديني والمعنوي داخل إطار هذا النفوذ.

رحال: لماذا الجزيرة العربية؟

بلجريف: لقد كان يحدوني أمل كبير في الإسهام بشيء، من أجل الصالح الاجتماعي لهذه المناطق، كما يحدوني أمل تحريك الحياة الشرقية الراكدة، حتى تلحق بأنوار التقدم الأوروبي الجارية وتتصل بها، وكذلك الرغبة في الاستكشافات التي تملأ قلوب الإنجليز.

رحال: دعنا الآن ندخل في تفاصيل رحلتك في الجزيرة العربية، من أي منطقة بدأت الرحلة؟

بلجريف: بدأت في الجوف، وكانت محطة تعرُّف واستطلاع وجسٍّ للنبض، لذا كنت خائفًا من المحيطين بي، ولكن بعد أن وصلت وتعرفت على فئات من المجتمع المتعددة فيها، وما يتمتعون به من كرم وسلوك حضاري، اطمأن قلبي وزالت مخاوفي، وكنت في الجوف عابر سبيل، فمقصدي من هذه الرحلة كان في حائل وما بعدها.

رحال: ثم أين ذهبت بعد الجوف؟

بلجريف: ذهبت إلى حائل، وعندما وصلت إليها استطعت الوصول إلى حاكمها الأمير طلال، وتوطدت صلته بي، وصارحته بمقاصد رحلتي وخط سيرها في لقاء سري جمعني به، تظاهر الأمير طلال بموافقته وأبدى بعض التحفظات، ووجدت من عمه عبيد الرشيد الوقوف ضد أي مشروع ذي أهداف سياسية غربية، واعتبر أن من تبعات ذلك هو الخروج عن الدين، ولذا فقد أخبرني بأني شخصية غير مرغوب فيها في حائل.

فريق رحال: يتبادر لدينا سؤال قبل أن نكمل تفاصيل رحلتك. كيف كان استقبال أهالي الجوف وحائل لك وأنت رجل غربي وبلباس غربي؟

بلجريف: لقد تنكرت في شخصية طبيب عربي باسم: (سليم أبو محمود العيس)، وكان معي مرافق، وانتحل صفة زوج شقيقتي، وتظاهر بأنه تاجر جملة تارة، ومساعدي في الطب تارة أخرى، وتسمَّى: (بيركات الشامي)، وكنا نمزج بين الطب والتجارة حسب الظروف.

رحال: يا لكبر الجواسيس! دعنا نعود إلى رحلتك، أين ذهبت بعد أن طردك عبيد الرشيد من حائل؟

بلجريف: استعددت للذهاب إلى القصيم، وقبل خروجنا من حائل كان أول المودعين لنا الأمير طلال وعمه عبيد بن رشيد، وبعد ذلك وجدت عبيدًا حرَّف فرسه نحونا فجأة ومد يده مودعًا وقال لنا: سمعت بأنكما تنويان الذهاب إلى الرياض، وهناك ستقابلان عبدالله الابن الأكبر لفيصل، إنه صديق شخصي لي وأريد أن تكونا كبيرين في عينه، لذلك كتبت له رسالة لأجلكما. ولكن راودتنا بعض الشكوك، مما جعلنا نفض أختامها بحذر ونكتشف المستور الذي توقعناه.

فريق رحال: وما كان نص الرسالة؟

بلجريف: نص هذه الرسالة كان: «بسم الله الرحمن الرحيم، من عبيد بن رشيد إلى عبد الله بن فيصل بن سعود، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد: فنعلمكم بأن حاملي هذه الرسالة هما المدعو سليم العيس ورفيقه بيركات الشامي، واللذان يقولان بأن عندهما المعرفة في....، وهنا تأتي كلمة مشبوهة ذات معنيين: طب وسحر، ويغلب عليها المعنى الأخير، الذي يعد في الرياض جريمة كبرى جزاؤها الإعدام. وأتمنى من الله ألا نسمع بإصابتكم بأي مكروه أو أذى، ونسلم أيضًا على والدكم فيصل، وإخوانكم وكافة أسرتكم، وننتظر أن يصلنا ردكم بفارغ الصبر، والسلام».

فريق رحال: وهل أوصلتم الرسالة؟

بلجريف: لا، تجاهلناها؛ لأنها لو وقعت بيد الأمير عبدالله لفقدنا حياتنا في المصيدة المعدة، ولذا احتفظت بها للذكرى.

فريق رحال: يا لها من ذكرى، ويا لها من رسالة ذكية من شخصية هي أهل للذكاء.

رحال: أخبرنا عن القصيم.

بلجريف: وصلنا إلى القصيم مع قافلة كبيرة تضم خليطًا من البشر، ودخلت إلى القصيم الأعلى الذي كان تحت سيطرة حكومة ابن رشيد.

وأول الحواضر كانت بلدة (فيد)، وصادف مرورنا من هناك تنفيذ حكم الجلد على أحد المحكومين هناك، ثم واصلنا مسيرنا في فيافي نجد وقفارها مع هبات نسيمها العليل، ذلك الذي تغنى به الشعراء، وقد أنعشتني هذه الأجواء ومنحتني شعورًا بالنشوة والابتهاج، وواصلنا طريقنا مرورًا بـ(الكهفة)، وكانت تعد أكبر قرى المنطقة.

رحال: أخبرنا أيضًا عن المناطق التي مررت بها في القصيم.

بلجريف: مررت بـ(القوارة)، كانت بلدة كبيرة وكانت مليئة بالأشجار وغنية بالمياه.

ومررت بـ(العيون)، وتتميز هذه البلدة بموقعها المتوسط، فهي على ملتقى خطوط المواصلات.

ومررت أيضًا بـ(الغاف)، وكانت منازلها تنتشر بلا نظام، وفيها 12 بئرًا تزودهم وتسقي منها مزارعهم.

وأيضًا ذهبنا إلى (بريدة)، شعرنا بالسعادة والفرح عندما تبين لنا من خلال منخفض طفيف طلائع مدينة بريدة، التي كنا نحترق شوقًا للوصول إليها، والتي بدت تحصيناتها بيضاوية الشكل، كان منظر المدينة عن بعد قد أخذ شكلًا هندسيًّا متناسقًا...

فهذا برج مراقبة هائل يصل ارتفاعه إلى حوالي مئة قدم، وله مئذنة غير متناسقة، وهذه كل من التحصينات العسكرية لم أرها من قبل في كل أنحاء الجزيرة العربية.

أما (عنيزة) فلم أستطع دخول عنيزة بسبب الحالة الأمنية هناك؛ لذا الاقتراب حتى من أسوارها مستحيلٌ تمامًا، ولذلك اكتفيت بإلقاء نظرة خارجية من بعد على هذه المدينة الكبيرة كثيفة السكان، وإلقاء نظرة على عدد منازلها وأحيائها، مستفيدًا في ذلك من القمم العالية التي كانت تميز المسكن الذي يعيش فيه زامل وأسرته.

فريق رحال: أخيرًا وليس آخرًا، أخبرنا ماذا رأيت في مناطق الجزيرة العربية؟

بلجريف: أستطيع تقسيم ما رأيت في الجزيرة العربية على عدة أقسام:

أولًا: الظواهر الطبيعية:

تميزت الصحاري العربية الشاسعة بظواهر لا نجدها في بلاد الغرب، فكان السراب يثير استغراب الرحالة الأجانب الذين زاروا الجزيرة العربية، ولست أنا فقط.

أذكر بعد عودتي من معالجة مريض في عز الظهيرة ألقيت بنظرة نحو السهل الممتد بين حائل والجبل، خُيِّل إليَّ أن هذا السهل تحول إلى بحيرة واسعة تتضخم كلما ابتعدت نحو الجبل، وتنكمش كلما اقتربت نحو البلدة!

ثانيًا: المنابر الإعلامية:

هذه المنابر التي تُستقى منها الأخبار، أراها متمثلة بالأسواق العامة، فالسوق بمن فيه من حضر وبدو وأهل الريف، كان هؤلاء في تجمعاتهم يتبادلون أخبار الساعة وأحوالهم اليومية، بما يمثل الصحيفة المطبوعة في أوروبا.

ثالثًا: الحركة العلمية:

تتمثل في حلقات تحفيظ القرآن الكريم وتلاوته، والدروس الدينية في المسجد، ففي حائل وبعد صلاة العصر التي قد يحضرها الأمير طلال أحيانًا، تتم قراءة فصل من أحد الكتب الدينية، يتبعه موعظة قصيرة أو شرح لما قُرئ.

فريق رحال: ممتاز، ختامًا، أخبرنا ماذا رأيت في الرجل العربي من صفات وطباع؟

بلجريف: رغم أن الرجل الإنجليزي يمتاز على العربي بأنه يبدو أكثر تأملًا، سأدخل هنا في بحر مهم يتعلق بمقدار العمل الفردي والجماعي في كل من الشرق والغرب، وسوف يتضح لنا من هذا التحري عن طريق الاستنتاج أن نصف الكرة الغربي يمتاز كثيرًا جدًا على نصف الكرة الشرقي في العمل الجماعي أكثر من مقدار العمل الفردي، من هنا لو أخذنا فردًا عربيًا وآخر إنجليزيًا، أي واحد لواحد، نجد أن كلا منهما ينجز نفس القدر من العمل اليومي خلال الأربع وعشرين ساعة، ولكن بفارق واحد مفاده أن الفرد العربي يعمل لنفسه وبنفسه، في حين يعمل الفرد الإنجليزي من أجل المجتمع وبمساندة كاملة وتأييد من هذا المجتمع.

ورأيت فيهم الكرم، تلك الخصلة التي تميز بها العرب في باديتهم وحاضرتهم وأشاد بها القريب والبعيد، فهي طيش صبياني لدى البدوي، وعدم تقدير للملكية وقيمتها.

فريق رحال: هنا ينتهي لقاؤنا معك يا بلجريف، نشكر لك صراحتك وشفافيتك معنا كما وعدتنا.

بلجريف: الشكر لكم أنتم على هذه الاستضافة، وسعيد بأني استرجعت الماضي وذكرياتي في الجزيرة العربية معكم.

فريق رحال: الشكر موصول لكم أيضًا أيها السادة القراء، نلتقيكم قريبًا في لقاء متجدد مع رحالة جديد.

تحليل لشخصية بلجريف: نراه ذكيًّا واستغل الظروف الدينية والسياسية أيما استغلال، فأبرز نفسه في المذبحة في لبنان، وتبنَّى قضية النصارى حتى وصل إلى البابا، وتلا ذلك توليه لعدة مناصب في الحكومة إلى أن أصبح مقرَّبًا إلى الإمبراطور، وعرض عليه رحلته فدعمها وموَّلها.

ونراه متحيزًا عرقيًّا، ويتضح هذا في بعض كلماته إذا قارن بين العربي والغربي.

وكان ماكرًا بلا شك، فلديه القدرة على التقلب بين الشخصيات وتقمصها لينال مبتغاه.

المرجع:

صالح السنيدي، بلجريف في جزيرة العرب (1279هـ/1862م): الجوف – حائل – القصيم.

بقلم: فريق رحال
شاركنا رأيك في هذه المقالة
قد يعجبك أيضًا

مقالات ذات صلة

☕ صباحيات ثهلان

هل أعجبك هذا المقال؟

اشترك في «صباحيات ثهلان»: مختارات من جديد ثهلان وأعدادها، تصل إلى بريدك.

من العدد السابع
عُد إلى صفحة العدد ←