ضريح ذي القرنين في ذاكرة دومة الجندل: قراءة بين النص التراثي والرمز المكاني
ذو القرنين شخصية استثنائية في الوجدان الإنساني؛ جمع القرآن الكريم في قصته بين التمكين والقوة والإيمان، في رحلة امتدت بين مغرب الشمس ومطلعها، وصولًا إلى مشهد السد بوصفه ذروة معمارية ورمزية في رحلته. ومن هنا ظل التساؤل عن هويته وتفاصيل حياته وجغرافية غيابه حاضرًا في مدونات التفسير والتاريخ منذ قرون.
في المقابل، لم تكن دومة الجندل مجرد نقطة هامشية في جغرافية الصحراء، بل شكّلت، بواحتها وماردها وأسوارها، حاضرة أثرية عريقة وموقعًا جيوثقافيًا التقت فيه شرايين التجارة بين الجزيرة العربية والشام والعراق، لتحتضن طبقات من الحضارات والممالك المتعاقبة، حتى ارتبط اسمها بمملكة قيدار العربية القديمة وبـ«أدوماتو» في النصوص التاريخية.
لكن ما خيط الضوء الذي يربط بين شخصية ذي القرنين ودومة الجندل؟
تبدأ القراءة من رواية محلية عن ضريح وقبة في حي الدرع بدومة الجندل، ثم تقودنا إلى نصوص تراثية تسبق وصول الرحالة الأوروبيين إلى المنطقة بقرون طويلة.
من أصبهان (أصفهان في إيران): ترسيخ الإحداثية الأولى
في القرن الرابع الهجري، ومن مدينة أصبهان في إيران، يدوّن المحدّث والمؤرخ أبو الشيخ الأصبهاني (المتوفى سنة 369هـ/979م) في كتابه «العظمة» سياق رحلة ذي القرنين، منتهيًا إلى النص التالي:
«ثم رجع ذو القرنين إلى دومة الجندل، وكان منزله بها، فأقام بها حتى مات».
ويمثل هذا التدوين أحد أقدم الشواهد النصية التي تربط نهاية ذي القرنين بدومة الجندل، قبل وصول الرحالة الفنلندي جورج أوغست فالين إلى المنطقة بنحو ثمانية قرون ونصف قرن تقريبًا.
ولعل الأهم في النص التراثي ليس الإشارة إلى الموت في دومة الجندل فحسب، بل البنية المتكاملة للجملة: «وكان منزله بها»، ثم اللفظة المحورية: «ثم رجع».
فالعودة، في دلالتها اللغوية، تفترض صلة سابقة بالمكان؛ فالإنسان لا يعود إلى فراغ، بل يرجع إلى موضع عرفه أو أقام فيه أو اتخذه مستقرًا. وهنا ينبثق السؤال: هل كانت دومة الجندل وقلعة مارد من مواطن ذي القرنين أو مستقرًا عاد إليه بعد رحلاته؟
وحتى أكون منصفًا، فإن الدلالة اللغوية وحدها لا يمكن تحويلها إلى يقين أثري، لكن لا يسعنا إغفالها؛ فالنص لم يقل: «ذهب إلى دومة الجندل»، بل قال: «رجع»، ثم أضاف: «وكان منزله بها»... وهل يمكن أن يكون لذي القرنين منزل متواضع بوجود مارد؟!
من القاهرة إلى جغرافية العصر المملوكي
بعد قرون، وفي القاهرة، يعيد المؤرخ الموسوعي شهاب الدين أحمد بن عبد الوهاب النويري (المتوفى سنة 733هـ/1333م)، في موسوعته «نهاية الأرب في فنون الأدب»، إحياء الرواية ذاتها، منسوبًا إياها إلى علي بن أبي طالب رضي الله عنه:
«ثم إنه رجع إلى دومة الجندل فأقام بها حتى مات».
هنا تتجاوز المسألة نطاق الحكاية المحلية؛ فنحن أمام موروث نصي ينتقل بين الأقاليم، من أصبهان في إيران إلى القاهرة في مصر، محتفظًا بهيكله السردي ذاته: العودة، ثم الإقامة، ثم الموت في دومة الجندل.
وهذا التكرار لا يجعل الرواية حقيقة أثرية مكتملة، لكنه يمنحها قيمة تاريخية لا يمكن تجاهلها؛ إذ يثبت أن الربط بين ذي القرنين ودومة الجندل كان حاضرًا في التدوين التراثي قبل أن تظهر الروايات الحديثة عن الضريح المنسوب إليه.
أما عن فالين وذاكرة القرن التاسع عشر
حين وصل الرحالة الفنلندي جورج أوغست فالين إلى دومة الجندل سنة 1845م، سجّل وصفًا مهمًا لأحيائها وأسوارها وما تناقله أهلها من أخبار عن تاريخ المكان، «رحلات فالين إلى جزيرة العرب»، حيث ذكر نصًا في كتابه:
«في حي الدرع قبرًا قديمًا تعلوه قبة، كان الناس يعتبرونه مدفنًا لذي القرنين».
وهنا تظهر رواية الضريح والقبة المنسوبين إلى ذي القرنين في حي الدرع بالقرب من قلعة مارد، لتؤكد الروايات التاريخية.
ولا ينبغي أن نفترض أن فالين أثبت هوية المدفون أو قدّم دليلًا أثريًا على وجود قبر ذي القرنين؛ فالرواية التي وصلتنا تتحدث عن اعتقاد محلي ارتبط بموضع محدد، وهو ما يختلف تمامًا عن الإثبات الأثري. ومن المرجح لديّ أن فالين والسكان المحليين بدومة الجندل لم يطلعوا على كتاب «نهاية الأرب في فنون الأدب» أو «العظمة».
لكن أهمية الرواية تكمن في شيء آخر؛ فقبل وصول فالين إلى دومة الجندل بقرون، كانت نصوص تراثية تقول: «رجع ذو القرنين إلى دومة الجندل... فأقام بها حتى مات»، ثم يصل رحالة إلى دومة الجندل في القرن التاسع عشر، فيجد في ذاكرة المكان رواية تربط ضريحًا وقبة بذي القرنين.
هنا يلتقي النص التاريخي المدوّن بالذاكرة المكانية والشفهية.
غير أن قراءة هذا الربط التاريخي تتطلب استحضار تعدد الروايات عن قبر ذي القرنين؛ فمنهم من قال في بابل، وآخرون في مكة أو أبها، وغيرهم في بيت المقدس، إلا أن خبر قبره في دومة الجندل يبدو أقرب إلى الصواب؛ لكون التسلسل التاريخي والشواهد حاضرة، ومع ذلك نحتاج إلى التنقيب كي نرتقي من الرواية إلى اليقين.
فالنصوص التي تربط وفاته بدومة الجندل لا تحسم المسألة بالضرورة، لكنها تقدم لنا سؤالًا آخر لا يقل أهمية: لماذا ارتبطت نهاية رحلته بدومة الجندل في أكثر من رواية تراثية؟
إن التساؤل المطروح هنا ليس محاولة لبناء أسطورة أو إثبات رواية نرغب في تصديقها، بل دعوة منهجية إلى وزارة الثقافة والمختصين في هيئة التراث وخبراء الآثار في منطقة الجوف:
هل خضع الموقع الذي كانت تقوم عليه القبة والضريح المنسوبان إلى ذي القرنين لدراسة أثرية دقيقة؟
وإن كان الجواب بالإيجاب: فما الذي كشفت عنه الدراسات والحفريات؟
وإن كان الجواب بالنفي: ألا يستحق هذا الخيط التراثي، الذي امتد عبر قرون، أن يُبحث؟
الشاهد هنا: الهدف من البحث الأثري ليس إثبات أسبقية الرواية أو تأكيد ما نرغب في الوصول إليه، فالنتيجة العلمية تظل ذات قيمة سواء أثبتت وجود ذي القرنين، أو كشفت عن شخصية تاريخية أخرى، أو نفت وجود شيء في الموضع المنسوب إليه. وإن لم يكن الموقع قد خضع للدراسة، فربما حان الوقت لأن تخضع أطياف الرواية لأدوات العلم.
ويبقى النص التراثي التاريخي والذاكرة المكانية للسكان المحليين وطبقات الأرض تثير تساؤلات كثيرة، ومنها، مجازًا لا حصرًا: من بنى قلعة مارد؟ هل هو ذو القرنين؟ ربما.
مقالات ذات صلة

مصطلح الحق الإلهي للملوك في أوروبا

التاريخ البديل: علم نشأ على الإنترنت

غرينلاند: من قسوة المكان إلى تشكّل الكيان السياسي

ما طبيعة الصراع في الأندلس؟ قراءة في رأي محمد عبدالله عنان
هل أعجبك هذا المقال؟
اشترك في «صباحيات ثهلان»: مختارات من جديد ثهلان وأعدادها، تصل إلى بريدك.

