📜 نُشر هذا المقال ضمن العدد التاسع من أعداد منصة ثهلان · أكتوبر 2026م

حين انكسر الجدار

بقلم: فهد بن ذياب بن سفران

كاتب في منصة ثهلان
الأحد 11 أكتوبر 2026م · 30 ربيع الآخر 1448هـ · 3 د. قراءة · العدد التاسع
حجم الخط
100%
الجماهير فوق الجدار في الأيام التي أعقبت فتح الحدود، نوفمبر 1989
الجماهير فوق الجدار في الأيام التي أعقبت فتح الحدود، نوفمبر 1989

حكاية مدينة مزقها الانقسام وجمعها الأمل من جديد

لحظة انتصار الأمل

ثمة صور لا يحدها إطار، ولا تنتهي حكايتها عند اللحظة التي التقطتها فيها عدسة المصور؛ صور تختصر أعوامًا من الألم، وتجمع في مشهد واحد ما تعجز الكلمات عن روايته. ومن بين هذه الصور تبرز مشاهد سقوط جدار برلين في نوفمبر عام 1989، شاهدةً على واحدة من أبرز اللحظات المفصلية في تاريخ أوروبا الحديث. في الوجوه المرفوعة والأيدي الملوحة نلمح فرحًا يتجاوز الاحتفال، فرح أناس شعروا أن بابًا ظل مغلقًا طويلًا قد فُتح أخيرًا، وأن اللقاء الذي بدا مستحيلًا صار ممكنًا.

جدار صنعته السياسة

منظومة الجدار والمراقبة التي فصلت برلين الشرقية عن الغربية خلال الحرب الباردة
منظومة الجدار والمراقبة التي فصلت برلين الشرقية عن الغربية خلال الحرب الباردة

في الثالث عشر من أغسطس عام 1961 بدأت سلطات ألمانيا الشرقية إقامة الحواجز التي فصلت برلين الشرقية عن الغربية. لم يكن الجدار مجرد بناء إسمنتي، بل تجسيدًا ماديًا لصراع الحرب الباردة بين المعسكرين الشرقي والغربي. وعلى امتداد ثمانية وعشرين عامًا، لم يفصل الجدار شوارع المدينة وأحياءها فحسب، بل امتد إلى حياة العائلات، وقطع صلات الأصدقاء، وحول لقاء الأحبة إلى أمنية تصطدم بالحدود والحواجز. ومع الأسلاك الشائكة وأبراج المراقبة والممرات المحروسة، صار العبور إلى الجانب الآخر محفوفًا بالمخاطر، وأصبح الإسمنت شاهدًا صامتًا على الثمن الإنساني للصراعات السياسية. كانت المدينة واحدة في ذاكرتها وشوارعها، لكنها بدت في واقعها كأنها عالمان لا يسمح لأحدهما بعبور المسافة إلى الآخر.

ليلة تغير فيها التاريخ

حشود فوق الجدار ليلًا في مشهد يجسد التحول الذي شهدته برلين في نوفمبر 1989
حشود فوق الجدار ليلًا في مشهد يجسد التحول الذي شهدته برلين في نوفمبر 1989

لكن الجدران، مهما اشتدت صلابتها، لا تملك وحدها كتابة خاتمة التاريخ. ففي عام 1989 تصاعدت الاحتجاجات الشعبية في ألمانيا الشرقية، واتسعت المطالب بالإصلاح وحرية التنقل. وفي مساء التاسع من نوفمبر، أثار إعلان بشأن قواعد السفر الجديدة ارتباكًا حول موعد تطبيقها، فتوجهت الحشود إلى المعابر الحدودية، ومع تزايد أعداد الناس فُتحت المعابر، وبدأت صفحة جديدة في تاريخ المدينة. لم تكن تلك الليلة مجرد حدث سياسي؛ كانت استعادةً لحق حُرم منه الناس طويلًا. تعانقت الوجوه التي فرقتها الحدود، وارتفعت الأدوات لتحطيم الإسمنت، وكأن كل ضربة كانت تنتزع من الجدار عامًا من الانتظار. لم يكن المشهد احتفالًا رسميًا مرتبًا، بل اندفاعًا شعبيًا عفويًا صنعته دهشة اللحظة وشوق السنين.

مدينة بين عالمين

مشهد من برلين المنقسمة تتجاور فيه الحواجز والجنود مع الناس فوق الجدار
مشهد من برلين المنقسمة تتجاور فيه الحواجز والجنود مع الناس فوق الجدار

لم ينته التاريخ بسقوط الجدار، فقد استمرت التحولات السياسية حتى توحدت ألمانيا رسميًا في الثالث من أكتوبر عام 1990. أما بقايا الجدار التي حُفظت في مواقع تذكارية فتحولت إلى شواهد تستدعي الذاكرة، وتذكّر الأجيال بأن ما يبدو ثابتًا في لحظة ما قد يصبح جزءًا من الماضي.

إن صورة سقوط جدار برلين تتجاوز حدود المكان والزمان، فهي تطرح سؤالًا عن طبيعة الحواجز التي يصنعها الإنسان وعن قدرته على تجاوزها. فليست كل الجدران من إسمنت، فقد تُبنى أخرى من الخوف والتعصب وانعدام الثقة، وتظل قائمة حتى تتغير الأفكار التي تسندها.

وهكذا، حين ننظر إلى تلك الوجوه فوق الجدار، لا نرى نهاية حاجز فحسب، بل نرى مدينة تستعيد وحدتها، وأناسًا يستعيدون حقهم في اللقاء، وتاريخًا يفتح صفحة جديدة. فقد يسجن الجدار الأجساد خلف حدوده، لكنه لا يستطيع أن يضمن بقاء الأمل خلفها إلى الأبد.

وتبقى أهمية هذه الصورة في أنها لا تقدم الماضي بوصفه ذكرى بعيدة فحسب، بل تدعونا إلى تأمل الحاضر أيضًا: كيف تتكون الحدود بين الناس، ومتى تتحول الاختلافات إلى قطيعة؟ إن ذاكرة الجدار تذكّرنا بأن المصالحة تحتاج إلى شجاعة، وأن بناء الثقة قد يستغرق وقتًا أطول من هدم الإسمنت. لذلك لا تستمد الصورة قوتها من فرح العابرين وحده، بل من الدرس الذي تتركه للأجيال اللاحقة.

بقلم: فهد بن ذياب بن سفران
من سلسلة «حكاية صورة» · كل مقالات السلسلة
قد يعجبك أيضًا

مقالات ذات صلة

☕ صباحيات ثهلان

مختارات ثهلان في بريدك

اشترك في «صباحيات ثهلان»: مختارات من جديد ثهلان وأعدادها، تصل إلى بريدك.

من العدد التاسع
عُد إلى صفحة العدد ←