ماذا يرى المؤرخ عندما يرى احتفالات اليوم الوطني؟
بقلم: فهد بن ذياب بن سفران

في اليوم الوطني يتغير وجه المدن؛ ترفرف الأعلام في الطرقات، وتتزين الميادين، وتظهر الصور القديمة على الشاشات، وتتعالى الأناشيد، وتبدو البلاد وكأنها تستدعي شيئًا من ماضيها لتضعه أمام أعين الحاضر. يمر هذا المشهد على الناس بوصفه مناسبة للفرح والاحتفاء، أما المؤرخ فقد يقف أمامه طويلًا، لا لأنه يرى ما لا يراه الآخرون، وإنما لأنه اعتاد أن يسأل عن الأشياء التي تقف خلف المشهد.
فماذا يعني أن تتحول واقعة تاريخية إلى مناسبة تتكرر كل عام؟ وكيف تنتقل ذكرى من صفحات الكتب والوثائق إلى وجدان الناس؟ وماذا يرى المؤرخ حين يشاهد علمًا يرفرف، أو صورة قديمة تظهر على شاشة، أو معلمًا تاريخيًا يقصده الناس في هذه المناسبة؟
ربما يرى المؤرخ في كل ذلك شيئًا أبعد من الاحتفال نفسه؛ يرى تاريخًا يعود إلى الحياة، وذاكرةً لا تزال تبحث عن مكانها في الحاضر.
وحين يرى المؤرخ احتفالات اليوم الوطني، فإنه لا يبدأ من الأضواء ولا من المظاهر التي تملأ الشوارع، بل يعود بفكره إلى اللحظة التي صنعت معنى هذا اليوم. ففي الثالث والعشرين من سبتمبر عام ١٩٣٢م، أُعلن توحيد البلاد تحت اسم المملكة العربية السعودية، بعد مسيرة طويلة قادها الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود، بدأت مراحلها المبكرة باسترداد الرياض عام ١٩٠٢م، ثم تتابعت بعدها أحداث ومسيرة انتهت بقيام الدولة الموحدة.
غير أن المؤرخ لا يتعامل مع هذا التاريخ باعتباره رقمًا محفوظًا في التقويم؛ فالرقم وحده لا يصنع ذاكرة، الذي يصنعها هو ما يقف خلفه من أحداث وحكايات وتحولات، وما عاشه الناس في تلك المراحل، وما تركته تلك المسيرة من آثار في المكان والإنسان. ولهذا فإن اليوم الوطني في عين المؤرخ لا يمثل يومًا واحدًا من الماضي بقدر ما يمثل قصة طويلة اختُصرت في تاريخ واحد.

ومن هنا يبدأ المؤرخ في النظر إلى الاحتفال بطريقة مختلفة؛ فهو يرى كيف يتحول الحدث إلى ذاكرة، وكيف تنتقل الذاكرة من جيل إلى جيل. فالحدث التاريخي يقع مرة واحدة، أما الذاكرة فتعود إليه كل عام، وفي كل عودة يقترب منه جيل جديد بطريقته الخاصة. من عاش البدايات عرف التحول من خلال تفاصيل حياته اليومية، ومن جاء بعده تلقى الحكاية من الآباء والكتب والصور، أما أبناء اليوم فيتعرفون إليها من خلال المتاحف والوثائق والمناهج والمواقع التاريخية، وكذلك من خلال مظاهر الاحتفال التي تعيد تقديم الماضي في صورة يفهمها الحاضر.
ولهذا لا يرى المؤرخ العلم السعودي المرفوع في الشوارع مجرد لون يزين المكان، بل يراه رمزًا ارتبط بتاريخ الدولة ووحدتها وسيادتها. وحين تقع عيناه على صورة قديمة للملك عبد العزيز ورجاله، فإنه لا يراها صورة للعرض فحسب، بل يحاول أن يقرأ تفاصيلها، ويتأمل الوجوه والملابس والأمكنة، ويسأل عما تخبره هذه الصورة عن الزمن الذي التُقطت فيه. فالصورة بالنسبة إلى المؤرخ قد تكون وثيقة، والمكان قد يكون شاهدًا، والتفصيل الصغير قد يقود إلى حكاية أكبر.
وهكذا يصبح المكان نفسه جزءًا من قراءة التاريخ؛ فالدرعية ليست مجرد مدينة قديمة، والرياض ليست مجرد عاصمة، والأماكن التي تبدو للعين عادية قد تحمل في داخلها آثارًا من مراحل مرت بها البلاد. وفي نظر المؤرخ لا يكون الوطن مجرد مساحة جغرافية، بل يصبح كتابًا مفتوحًا، صفحاته من الحجر والصورة والوثيقة والمبنى والطريق، وكل صفحة منها تحمل أثرًا من آثار الماضي.

لكن المؤرخ لا يتوقف عند استحضار الماضي، بل ينتقل منه إلى سؤال أعمق: ماذا نفعل بهذه الذاكرة؟
فالتذكر وحده لا يكفي إذا بقي التاريخ مجرد شعارات تتردد في المناسبات. قيمة التاريخ تظهر حين يقود التذكر إلى الفهم، وحين يدفعنا الاحتفال إلى أن نسأل عن الأحداث التي صنعت حاضرنا، وعن الظروف التي مرت بها البلاد، وعن الجهود والتحولات التي شكّلت مسيرتها. فمعرفة أن حدثًا وقع في عام ١٩٣٢م شيء، وفهم المسيرة التاريخية التي قادت إليه شيء آخر.
وهنا تتجاوز مناسبة اليوم الوطني حدود الاحتفال لتصبح فرصة للتأمل في العلاقة بين الإنسان وتاريخه. فعندما يرى المؤرخ طفلًا يحمل علمًا صغيرًا، فإنه قد يرى أكثر من طفل يحتفل؛ يرى جيلًا جديدًا يتلقى رمزًا من رموز الذاكرة الوطنية. وعندما يرى شابًا يقف أمام مبنى تاريخي ويلتقط صورة، قد يتساءل: هل يعرف قصة المكان الذي يقف أمامه؟ وهل ستبقى هذه الصورة مجرد ذكرى شخصية، أم أنها ستصبح يومًا ما جزءًا من ذاكرة جيل آخر؟
وهذا هو سر التاريخ: أنه لا ينتهي بانتهاء أحداثه، بل تبدأ مرحلة أخرى حين تتحول الأحداث إلى ذاكرة، ثم تتحول الذاكرة إلى وعي، ويبدأ كل جيل في طرح أسئلته الخاصة على الماضي. لذلك يستطيع احتفال اليوم الوطني أن يكون أكثر من مشهد جميل؛ يستطيع أن يكون لحظة نلتفت فيها إلى الوراء، لا لنعيش الماضي، وإنما لنعرف الطريق الذي أوصلنا إلى حاضرنا.
وعندما تنتهي الاحتفالات، وتخفت الأضواء، وتعود الأعلام إلى أماكنها، يبقى ما هو أبقى من المشهد نفسه: الذاكرة. فالمناسبة تنتهي في يوم، أما التاريخ فلا ينتهي؛ لأنه يظل حاضرًا في الإنسان والمكان والصورة والحكاية.
ولعل أجمل ما يمكن أن نفعله بتاريخ وطننا ليس أن نحفظ تواريخه وأسماءه فحسب، بل أن نتعلم كيف نقرأه، وأن نفهم ما تخبرنا به آثاره، وأن ندرك أن حاضرنا لم يظهر فجأة، وإنما جاء نتيجة مسيرة طويلة صنعتها أحداث وأشخاص وأماكن وذكريات.
لهذا فإن المؤرخ حين يرى احتفالات اليوم الوطني لا يرى الأعلام والأضواء وحدها، بل يرى ما وراءها؛ يرى حدثًا تحوّل إلى ذاكرة، وذاكرةً تحوّلت إلى وعي، ووطنًا يروي تاريخه لأجيال تتعاقب.
وربما هنا تكمن أجمل صورة لليوم الوطني: أن نحتفل بما نحن عليه اليوم، وفي الوقت نفسه نتوقف قليلًا لنسأل الماضي عمّا أوصلنا إلى هنا. فالتاريخ لا يطلب منا أن نعيش فيه، وإنما يطلب منا أن نفهمه، وأن نحمل منه ما يعيننا على قراءة حاضرنا وصناعة مستقبلنا.
مقالات ذات صلة

مصطلح الحق الإلهي للملوك في أوروبا

التاريخ البديل: علم نشأ على الإنترنت

غرينلاند: من قسوة المكان إلى تشكّل الكيان السياسي

ما طبيعة الصراع في الأندلس؟ قراءة في رأي محمد عبدالله عنان
هل أعجبك هذا المقال؟
اشترك في «صباحيات ثهلان»: مختارات من جديد ثهلان وأعدادها، تصل إلى بريدك.

