📜 نُشر هذا المقال ضمن العدد التاسع من أعداد منصة ثهلان · أكتوبر 2026م

‎الأمير عبد القادر «سيف الله المعاقب»

بقلم: أ. د. محمد رشيد ميلود

أستاذ التعليم العالي بجامعة الجزائر 2
الأحد 11 أكتوبر 2026م · 30 ربيع الآخر 1448هـ · 14 د. قراءة · العدد التاسع
حجم الخط
100%

قبل أربعة أشهر من الآن، تم إطلاق كرسي الأمير عبد القادر بمركز أوكسفورد للدراسات الإسلامية التابع لجامعة أوكسفورد البريطانية العريقة، بوصفه منصة علمية رفيعة المستوى للزمالة البحثية في تاريخ الأمير. لا عجب في ذلك، فبينما يقود الانكسار عادة كثيرا من الرجال والقادة والسياسيين إلى التصوف والانعزال، انطلق الأمير عبد القادر من التصوف نفسه ليؤسس دولة حديثة وجيشا قويا في مواجهة أعتى القوى العسكرية في العالم، فضلا عن التشرذم ومعضلة الولاء بين القبيلة والدولة. لكن ما الذي يجعله عبقرية استثنائية قد لا تتكرر؟ سنحاول الإجابة عن هذا السؤال من مراجع ومصادر نادرة نقلناها من الروسية إلى العربية قبل سنوات.

الأمير عبد القادر، لوحة أنج تيسييه، 1853م؛ تمثّله أثناء احتجازه في أمبواز عام 1852، وليست تصويرًا لمعارك 1835–1836. المصدر: قصر فرساي، رقم MV2029، عبر ويكيميديا كومنز (ملكية عامة، PD-Art) · https://commons.wikimedia.org/wiki/File:الأمير_عبد_القادر.jpg
الأمير عبد القادر، لوحة أنج تيسييه، 1853م؛ تمثّله أثناء احتجازه في أمبواز عام 1852، وليست تصويرًا لمعارك 1835–1836المصدر: قصر فرساي، رقم MV2029، عبر ويكيميديا كومنز (ملكية عامة، PD-Art) · commons.wikimedia.org

‎خرق جسيم

في كتابها «دولة الأمير عبد القادر الجزائري»، تشير خميليوفا إلى أن قوات الاحتلال الفرنسية في الجزائر قامت بخرق معاهدة السلام (معاهدة ديميشيل) في يونيو حزيران 1835، وبدأت عمليات عسكرية ضد قبيلة هاشم، حيث استولت على محاصيلها. استعد الجيش الجزائري، المكون من ألفي فارس وثمانمائة من المشاة، للعمليات العسكرية وأعاد انتشاره في منطقة وادي سيق، وبعد تلقي أخبار تمركز القوات الجزائرية، خرج الجنرال تريزيل من وهران لملاقاتهم بقوة قوامها 2500 رجل وأربعة مدافع. يورد عالم التاريخ وعلم الاجتماع أوغانيسيان في كتابه «السيرة الروسية للأمير عبد القادر من البادية إلى الدولة»، أنها كانت وحدة مشاة من خمسة آلاف جندي ومفرزة كبيرة من سلاح الفرسان لحمايتهم.

‎انسحاب مخز

بدأت المعركة في 26 يونيو حزيران في غابة موالي إسماعيل بين القوات الفرنسية والوحدات المتقدمة للجيش الجزائري. أحدث الهجوم المفاجئ لسلاح الفرسان الجزائري ارتباكا بين الفرنسيين، الذين كانت مدفعيتهم تطلق بشكل عشوائي بسبب كثافة الغابة. لم تسفر المعركة عن نصر حاسم لأي طرف، لكن الفرنسيين تكبدوا خسائر فادحة بلغت 52 قتيلا و180 جريحا. أوقفت هذه الخسائر تقدم الفرنسيين، بينما تلقى جيش عبد القادر تعزيزات بوصول القوات الرئيسة من تلمسان. قرر الجنرال تريزيل الانسحاب إلى أرزيو، لكن الطريق الأقصر لم يكن مناسبا للعتاد، فسلكوا مضيق موزاية عبر وادي المقطع.

يسرد الأستاذ الفخري بالأكاديمية العسكرية الإمبراطورية الروسية باغدانوفيتش المتعاطف مع القوات الفرنسية ما حدث كالتالي: «قام الجنرال تريزيل، بعد أن قرر الذهاب إلى أرزيو، بالتحرك إلى هناك في 28 يونيو حزيران، ولم يكن ذلك على طول المسار المباشر (والذي كان يعد غير ملائم لحركة العربات)، بل من الجهة السفلية لوادي سيق. وبمجرد دخول القوات إلى الخانق المتشكل من الضفة المستنقعية لوادي المقطع من جهة، ومن الجبال المليئة بالغابات الكثيفة من الجهة الأخرى، تم إمطارها بالرصاص والحجارة على الطريق من المرتفعات التي احتلها العرب الذين كانوا في عجلة من أمرهم؛ اندفع جزء من عربات العتاد إلى المستنقع وسقط الآخر في أيدي العدو. تمكن الفرنسيون، الذين لاذوا بالفرار، من التجمع على تلة صغيرة، أين تعرضوا للهجوم من قبل قوات عبد القادر الكبيرة، إنهم يدينون بخلاصهم للعمل الناجح لعديد من المدافع وتفاني حفنة من الرجال الشجعان الذين غطوا تراجع الكتيبة إلى أرزيو. في هذه المعركة المؤسفة، خسر الفرنسيون 750 رجلا وكل عربات العتاد. غير أن حادثة المقطع كانت بالإضافة إلى ذلك ضارة من الناحية النفسية، فقد أدت في مفهوم العرب إلى تدمير الاعتقاد بأن القوات النظامية لا تقهر، مما أجبر عديدا من السكان الأصليين الذين وقفوا إلى جانب الفرنسيين على الانضمام إلى عبد القادر».

‎مصيدة فئران

نصب الأمير عبد القادر كمينا محكما في هذا المضيق، مرسلا ألفي مقاتل (ألف فارس يحمل كل منهم جنديا من المشاة). دخلت القوات الفرنسية الممر لتجد مخرجه مسدودا بالصخور، وبينما كانوا يحاولون إزالتها أصبحوا تحت نيران كثيفة، ثم وصلت قوات الأمير الرئيسة وشنت هجوما شاملا اجتاح القوات الفرنسية ونشر الذعر. علق جزء من العتاد والمدفعية في الوحل وسقط الباقي بيد الجزائريين، بينما هرب الفيلق الأجنبي تاركا الجرحى والعربات، وغرق عديد من الجنود الفرنسيين أثناء محاولتهم عبور النهر. لم تصل فلول القوات الفرنسية إلى أرزيو إلا عند حلول الظلام. مثلت هذه المعركة في المقطع أكبر انتصار للجزائريين، حيث خرج أكثر من ربع جنود المفرزة الفرنسية من الخدمة.

يؤكد وزير دفاع روسيا القيصرية كوروباتكين، المعتنق للذهنية الاستعمارية في كتابه «الجزائر» (1877) هذه الواقعة بقوله إن «في عام 1835، تمكن عبد القادر من توجيه ضربة جديدة للفرنسيين في مقاطعة وهران. واستولى، بعد أن احتل موقعا على بعد 16 فرستا من مدينة وهران مع 8000 رجل من سلاح الفرسان و4000 من المشاة (التي كان من ضمنها 1200 جندي من المشاة النظامية)، على جميع وسائل النقل والأعلاف. وجد الجنرال تريزيل، الذي كان يقود القوات في وهران، نفسه مجبرا على التحرك للقائه مع 2500 مشاة و6 مدافع كانت بحوزته وفي متناول يده. توج الهجوم الفرنسي بعد معركة عنيدة بالنجاح. كان عبد القادر مجبرا على التراجع، فقضى الفرنسيون الليل في ساحة المعركة. لقد كلفهم هذا الانتصار غاليا: فقد فقدوا 52 شخصا كانوا في عداد القتلى، و189 جريحا، بالإضافة إلى ذلك، سقط جزء من قافلة عتادهم في أيدي العرب. وفي اليوم التالي، قرر الجنرال تريزيل التراجع، غير أن هذا المكان بالذات، هو الذي بدأ البلاء يحل فيه على الفرنسيين. بمناورة ذكية، قطع عبد القادر طريق التراجع إلى وهران وحولهم إلى الطريق إلى أرزيو. انتاب الذعر جزءا من القوات، ونتيجة لذلك تم صد القافلة بأكملها والنقل مع الجرحى. وبفضل تفاني عديد من القادة الخاصين والثبات البطولي للوحدات الفردية الصغيرة من المشاة وسلاح الفرسان فقط، تمكنت المفرزة من التراجع والاحتماء خلف جدران أرزيو، بعد أن فقدت 330 قتيلا و380 جريحا».

يختصر أوغانيسيان ذلك بقوله إن الفرنسيين «بدخولهم المضيق، وجدوا أنفسهم في مصيدة فئران. قُتل العشرات من الجنود الفرنسيين في أول وابل من سفوح التلال؛ اندفع فرسان عبد القادر نحو الفرنسيين في وقت واحد من الأمام ومن الخلف. كان هناك ذعر عام. غرق عديد من الجنود الذين حاولوا الفرار عبر الوادي. كانت الهزيمة كاملة. عبر فلول الجيش الفرنسي بصعوبة كبيرة إلى أرزيو، بعد أن فقدوا عدتهم بأكملها تقريبا».

‎نصر مؤزر – هزيمة مدوية

وفقا للمؤرخة السوفييتية خميليوفا، ألهم هذا النصر المؤزر القوات الجزائرية، حيث قام جنود خليفة مليانة وميليشيا حجوط بتطهير سهل متيجة بأكمله وحاصروا مدينة الجزائر، كما تم حبس الحامية الفرنسية في وهران داخل المدينة. ومن أجل تعزيز الدولة والحفاظ على السلام لأطول فترة ممكنة، أرسل الأمير عبد القادر رسالة إلى القائد الفرنسي ديرلون مباشرة بعد الانتصار، أشار فيها إلى أن اندلاع القتال لم يكن خطأ جزائريا، وأن قوات تريزيل لم تهاجَم إلا بعد تجاوزها حدود الدولة وتدميرها للحصاد، وعرض استعادة السلام.

كان رد الفعل الفرنسي على هزيمة المقطع مزلزلا، فقد أحدث صدمة كبيرة في الدولة الفرنسية، أدت كما ينقل أوغانيسيان عن المؤرخ م. فال، إلى «انفجار للوطنية في فرنسا» وإلى تغييرات فورية في المناصب القيادية مثل إقالة تريزيل واستبداله بالجنرال دارلانج في وهران، وتعيين المارشال كلوزيل حاكما جديدا للجزائر خلفا لديرلون. أصدر كلوزيل، فور وصوله في أغسطس آب 1835، إعلانا يهدد بغزو وشيك للبلاد، فرد عليه عبد القادر بتكثيف الهجمات على القوات والمستوطنات الفرنسية، وتطهير سهل متيجة، وتشديد الحصار على المدن الساحلية، بما فيها مدينة الجزائر، لدرجة أنه، على حد تعبير الأمير، «حتى الطائر لا يستطيع الطيران عبر أسوار المدينة».

‎سخط عارم

أثارت هزيمة المقطع «سخطا وطنيا» لدى البرجوازية الفرنسية التي طالبت برد عسكري حازم. ومع ذلك، لم يتمكن القائد الفرنسي الجديد كلوزيل من التحرك فورا بسبب إرسال الفيلق الأجنبي إلى إسبانيا وتفشي وباء الكوليرا بين القوات. لجأت الإدارة الفرنسية في هذه الظروف إلى محاولة استخدام البايات الأتراك السابقين لإضعاف دولة الأمير، مقترحة على إبراهيم باي (زعيم الدواير والزمالة الذي انضم لخدمة الفرنسيين) دعوة سكان وهران وتلمسان للثورة ضد الأمير، واعدة إياهم بالثراء بمساعدة فرنسية. استخدمت السلطات الفرنسية بايات آخرين مثل بن عمر في شرشال ومحمد بن حسين في المدية، لكن محاولاتهم لتثبيت سلطتهم باءت بالفشل لعدم وجود دعم شعبي أو فرنسي كاف، فقد أُسر بن حسين لاحقا من قبل بن علال مبارك، أحد خلفاء الأمير.

دعمت السلطات الفرنسية وحرضت على هجمات قبلية ضد القبائل الموالية للأمير، ونتيجة لذلك نهب إبراهيم باي مخازن حبوب قبيلة غرابة، وحدث هجوم فرنسي آخر على نفس القبيلة استولى فيه الفرنسيون على إبل وشعير، مما أجبر القبيلة على الانسحاب من المقاومة والاعتراف بالسلطة الفرنسية. هذا وتم تنفيذ هجوم ليلي على قبيلة أخرى لأخذ رهائن وأسلحة وماشية، فضلا عن محاولة الجنرال كلوزيل الفاشلة لاغتيال الأمير عبد القادر بعرضه 30 ألف فرنك على شيخ قبيلة البرجية مقابل رأس الأمير. رغم كل هذه الجهود، فشلت السلطات الفرنسية في إقناع أي جزء مهم من القبائل بمعارضة الأمير.

‎شغف جارف

اتقد شغف الأمير عبد القادر وسعيه الحثيث لتزويد جيشه بالأسلحة الحديثة استعدادا للمعارك الحتمية، فتم افتتاح ورش للأسلحة في المدية ومليانة ومعسكر، وتنظيم شراء الأسلحة من الخارج، رغم اعتراض الفرنسيين سفينة محملة بالذخيرة. لجأ الأمير أيضا إلى جيرانه في مملكة مراكش وتونس طلبا للمساعدة، وحاول استغلال الخلافات الفرنسية الإنجليزية للوصول إلى شراء الأسلحة من إنجلترا، مرسلا رسالة عبر القنصل الإنجليزي في طنجة، دروموند هاي، يعرض فيها احتكار التجارة مقابل توريد الأسلحة، غير أن ذلك كان دون جدوى، فقد ظلت مشكلة توريد الأسلحة عويصة للغاية.

مشاة جيش الأمير عبد القادر النظاميون، رسم منشور في كتاب Histoire de l’Algérie ancienne et moderne للمؤلف ليون غاليبير، 1843م؛ ليس تصويرًا لمعركة بعينها. المصدر: الكتاب عبر ويكيميديا كومنز، معرّف Infanterie régulière d’Abd el Kader (ملكية عامة) · https://commons.wikimedia.org/wiki/File:Infanterie_régulière_d%27Abd_el_Kader.jpg
مشاة جيش الأمير عبد القادر النظاميون، رسم منشور في كتاب Histoire de l’Algérie ancienne et moderne للمؤلف ليون غاليبير، 1843م؛ ليس تصويرًا لمعركة بعينهاالمصدر: الكتاب عبر ويكيميديا كومنز، معرّف Infanterie régulière d’Abd el Kader (ملكية عامة) · commons.wikimedia.org

وصلت تعزيزات فرنسية في نوفمبر تشرين الثاني 1835، وسار جيش قوامه 11 ألف جندي بقيادة الجنرال كلوزيل من وهران إلى معسكر، فتحرك الجيش الجزائري لملاقاتهم في غابة موالي إسماعيل، حيث شن الأمير هجوما غير متوقع على جناح الجيش الفرنسي، لكن مناورة فرنسية أجبرت الجزائريين على التراجع. اتخذ الجيش الجزائري مواقع بعد ذلك على الطريق المؤدي إلى معسكر ونصب كمينا في 3 ديسمبر كانون الأول، بقوة تقدر بـ12-13 ألف مقاتل ومدفعية من خمسة مدافع.

هاجم الجزائريون الفرنسيين المقتربين من عدة اتجاهات، وأحدثت نيران مدفعيتهم التي قادها الأمير بنفسه ذعرا في صفوف الفرنسيين، لكن فعالية النيران كانت منخفضة بسبب ضعف تدريب المدفعية وعدم جاهزية المدافع (فقد انفجر أحدها)، مما مكن القوات الفرنسية من صد الهجوم رغم قتال الجزائريين بشجاعة منقطعة النظير. اضطر الجيش الجزائري للانسحاب رغم أن الخسائر كانت متساوية تقريبا بين الطرفين.

‎«كان هذا عبد القادر»

قرر الأمير عبد القادر، بسبب افتقاره للمدفعية الكافية للدفاع عن معسكر، مغادرة المدينة. وفي 4 ديسمبر كانون الأول، احتل الفرنسيون معسكر المهجورة. قام الفرنسيون بإحراق المدينة ونهبها، وتدمير دار سك العملة ومستودع الأسلحة وكميات كبيرة من المؤن والمواد الأولية، بما فيها المدافع الفرنسية التي تم اغتنامها في معركة المقطع. عاد الأمير إلى المدينة في اليوم التالي، فبدأت الميليشيات القبلية بالتجمع مرة أخرى، وسار الأمير على رأس ستة آلاف رجل لملاحقة الفرنسيين.

يؤكد أوغانيسيان ذلك بقوله «دخل كلوزيل في غضون ذلك إلى معسكر، لكنه لم يجد أي سكان هناك تقريبا، فقد غادروا المدينة عند سماعهم لأول خبر عن اقتراب الجيش الفرنسي. ترك الفرنسيون معسكر بعد أن فجروا قلعة المدينة ودمروا ترسانة ومخازن الإمدادات التي أعدها الأمير. وفي صباح اليوم التالي، ظهر فارس وحيد أمام البوابات المفتوحة للمدينة الفارغة. كان هذا عبد القادر».

‎مهزلة دون جدوى

بعد أيام قليلة فقط من احتلال معسكر، تمكن سلاح الفرسان بقيادة عبد القادر من هزيمة رتل مشاة تابع للمارشال كلوزيل. بحلول بداية عام 1836، كان الأمير قد استعاد سيطرته الفعلية على الأرياف، مما أجبر الفرنسيين مرة أخرى على الانكفاء خلف أسوار المدن. يخلص أوغانيسيان، مستشهدا مرة أخرى بتقييم المؤرخ م. فال، إلى أن حملة كلوزيل على معسكر، التي وصفت بـ«المهزلة»، كانت في نهاية المطاف دون جدوى.

يشير كوروباتكين إلى أنه «بشكل عام، أصبح وضع الفرنسيين، بعد مضي خمس سنوات من الحرب، أكثر صعوبة مما كان عليه في بدايته، لأنه بدلا من عديد من الأعداء المتفرقين، كان أمامهم عبد القادر، الذي وحد الجزء الأكبر من الجزائر تحت سلطته واستعد بنشاط للحرب معهم».

‎مناورة زائفة

وقعت معركة كبرى أخرى في 25 يناير كانون الثاني، عندما حاول كلوزيل فتح ممر بين وهران وتلمسان عبر جزيرة رشغون عند مصب وادي التافنة. أغلق الجيش الجزائري ممرا جبليا، ودارت معركة ضارية ليومين لم يتمكن الفرنسيون خلالها من المرور وتجنب هزيمة ثقيلة إلا بوصول تعزيزات. طارد الجيش الجزائري الفرنسيين إلى أسوار تلمسان، ثم حاصر الحامية الفرنسية التي تُركت هناك لمدة سبعة أشهر، لكنه لم يتمكن من اقتحام المدينة لعدم امتلاكه مدفعية حصار.

احتاجت القوات الفرنسية للراحة، فاقترح الجنرال كلوزيل مفاوضات سلام أرسل من أجلها ميلود بن عراش إلى وهران، لكنها علقت سريعا. بالتزامن مع هذه المفاوضات، أجرى كلوزيل اتصالات سرية مع حامية تلمسان التركية المحاصرة في القلعة بقيادة مصطفى بن إسماعيل، الذي عرض تسليم القلعة وخدمة الفرنسيين. نصب الأمير عبد القادر، بعد مناورة زائفة، كمينا للحامية التركية أثناء محاولتها الالتحاق بقبيلة أنجاد المعادية وهزمها، ثم حاصر القلعة مجددا. بعد وصول القوات الفرنسية بقيادة كلوزيل في يناير كانون الثاني 1836 وتسلمها القلعة، فرضوا غرامة باهظة على سكان المدينة، مما أثار سخطا واسعا ودفع قبيلة أنجاد إلى التمرد، والحامية التركية إلى الاستعداد لتسليم القلعة للأمير فور مغادرة القوات الفرنسية.

‎خيانة وجزاء

يروي أوغانيسيان ذلك بقوله إن «شيوخ قبائل المخزن بدأوا في الوقوف إلى جانب الفرنسيين بعد تلقي أخبار هزيمة عبد القادر في المعركة قرب معسكر. كان أول من فعل ذلك المعارض القديم للأمير، مصطفى بن إسماعيل، الذي عرض المساعدة على كلوزيل في الحملة ضد تلمسان. لكن عندما احتل الفرنسيون هذه المدينة، طلبوا مائة وخمسين ألف فرنك من الشيخ دليلا على ولائه. توسل مصطفى للمارشال عبثا ليؤمن بولائه. فكان عليه أن يتخلى عن كل ما لديه من ذهب ومجوهرات تحت تهديد إطلاق النار على الرهائن الذين أخذهم الفرنسيون. أرسل عبد القادر إلى القبائل بيانا كُتب حول هذا الموضوع. سأل فيه الشيوخ: «إذا كان الفرنسيون يتصرفون بهذه الطريقة مع حلفائهم، فما الذي يمكن أن يتوقعه أعداؤهم منهم؟»».

خلال نفس الفترة، تحركت القوات الفرنسية على طول وادي الشلف ونصّبت بايا مواليا لها في المدية. تشير خميليوفا إلى «تمكن مبارك خليفة مليانة من اعتراض رسالة من الجنرال كلوزيل إلى ذلك الذي تم تعيينه من الفرنسيين. أخذ مبارك نسخا من الرسالة ووزعها على القبائل. وبالنظر إلى أن الفرنسيين كانوا يعيدون السلطة للإنكشاريين، انضمت عديد من القبائل بقوة إلى حركة عبد القادر. وأسروا باي المدية بمجرد مغادرة القوات الفرنسية من هناك. قام عبد القادر بتغريم القبائل التي اعترفت بسلطة الفرنسيين، وأعيد توطين قبيلة البرجية (إحدى قبائل المخزن التي انضمت إلى خدمة الفرنسيين) في مكان جديد، وتم إعدام عدة أشخاص منها. بعد معاقبته حالات الخيانة بهذه الطريقة، ناشد عبد القادر القبائل أن تتحد في القتال ضد العدو الخارجي».

‎سيف الله المعاقب

يصف أوغانيسيان العقاب الصارم الذي أنزله عبد القادر بالقبائل التي استسلمت للفرنسيين أو تعاونت معهم، ويذكر تحرير الأمير لوادي الشلف ومعاقبة القبائل هناك بقيادة أبناء سيدي العربي بأخذ مواشيهم وإعدام عديد من قادتهم. يشير المؤلف بشكل خاص إلى القسوة الشديدة التي عوملت بها قبيلة البرجية، التي كانت تهاجم مفارز الأمير وتسلم رسله للفرنسيين، حيث أمر الأمير بقطع رأس رجل من كل عشرة رجال فيها ونقل القبيلة بأكملها إلى منطقة نائية.

في هذه الفترة، كانت البلاد كلها تقريبا تحت سلطة الأمير عبد القادر، وآتت جهوده السابقة في توحيد الشعب أكلها. يدعم المؤلف رأيه هذا باقتباس من الجنرال بيجو نفسه الذي يعترف بأن العرب خلال أقل من عامين، أصبحوا يتصرفون بشكل موحد تحت قيادة سياسية ودينية واحدة، وأنهم تمكنوا من السيطرة الكاملة على مقاطعات وهران والجزائر والتيطري وأجزاء من قسنطينة، ووصلوا إلى حد حرق الممتلكات قرب أسوار الجزائر العاصمة.

يقدم المؤلف تحليلا لشخصية عبد القادر في ذلك الوقت بقوله «خلال هذه الفترة، تجلت شخصية عبد القادر في العلاقات مع العالم الخارجي من جانب واحد، وجانب واحد فقط وهو ذلك الذي يعبر عن مهمته بوصفه فارسا للإسلام. كانت الفكرة الدينية التي تحرقه تدفع كل شيء دنيوي جانبا. كل شيء بشري كان مخفيا وراء تجلي المختار من الله. فما هو إلا أداة من الله فقط. إنه تجسيد لسيف الله المعاقب».

‎خاتمة

ولعل هذا ما يجعله عبقرية استثنائية قد لا تتكرر، فقد فرض على الأمير أن يكون في آن واحد فارسا ومفاوضا ومخططا وقائد دولة وقاضيا صارما، بعد أن جمع بين ذكاء المناورة وصرامة السلطة والاستعداد الدائم للحرب. تكشف الوقائع أن خصوصية تجربته تتجلى في أن العقاب الصارم الذي أنزله بمن تعاونوا مع الفرنسيين يكشف الوجه الآخر لمشروعه في توحيد البلاد وإخضاع الولاءات المتعارضة لسلطة مركزية واحدة، كما تتجلى عبقريته في تجاوز ميدان القتال، وفي قدرته على تحويل الانتصارات العسكرية إلى مسار سياسي يسعى إلى توحيد البلاد وبناء دولة قادرة على الصمود.

ولذلك فإن دراسة الأمير عبد القادر لا تستنفدها المعارك التي خاضها ولا الانتصارات والهزائم التي عرفها. إنها تستدعي النظر في المشروع الذي حاول بناءه وسط ظروف بالغة التعقيد. تكمن فرادته الحقيقية في أنه استطاع، في زمن قصير، أن ينتقل من مكانة قائد قبلي وديني إلى موقع مؤسس دولة وقائد مقاومة، تاركا وراءه تجربة تتجاوز حدود عصرها وتظل مفتوحة على قراءات تاريخية وفكرية متعددة.




⸻




بقلم: أ. د. محمد رشيد ميلود
قد يعجبك أيضًا

مقالات ذات صلة

☕ صباحيات ثهلان

مختارات ثهلان في بريدك

اشترك في «صباحيات ثهلان»: مختارات من جديد ثهلان وأعدادها، تصل إلى بريدك.

من العدد التاسع
عُد إلى صفحة العدد ←