📜 نُشر هذا المقال ضمن العدد السادس من مجلة ثهلان · صفر 1448هـ / أغسطس 2026م
تصفّح العدد كاملًا ←

بأية وسيلة ضرورية: قصة المناضل الذي رفض الانحناء

بقلم ثامر الحريصي · 30 أغسطس 2026م · 4 د. قراءة · العدد السادس
حجم الخط
100%
غلاف كتاب «مالكوم إكس: سيرة ذاتية» لأليكس هالي، ترجمة ليلى أبو زيد، دار بيرم.
صورة مولّدة بواسطة الذكاء الاصطناعي

مطارد من قبل الأشباح

هربًا من جماعة الكوكلوكس كلان العنصرية (KKK) وتهديداتها المستمرة، قررت عائلة “ليتل” الانتقال من ولاية نبراسكا الأمريكية إلى ولاية أخرى بحثًا عن مكان آمن يمكنها الإقامة به.

إلا أن تلك العائلة البسيطة لم تعلم ما كان بانتظارها…

ففي إحدى ليالي مدينة لانسينغ، عاصمة ولاية ميشيغان، كانت عائلة ليتل على موعدٍ مع حدث لن تنساه أبد الدهر!

طلقات رصاص يتردد أزيزها في أرجاء الحي، ألسنة لهب عجز رجال الإطفاء عن إخمادها حتى سُوّي المنزل القديم بالأرض، فغدا كتلة من الرماد والحطام…

لم يكن ذلك مجرد إنذار، بل كان تهديدًا واضحًا تم توجيهه للمناضل الحقوقي إيرل ليتل، حيث شكّلت أعماله المستمرة في توعية بني جنسه من ذوي البشرة السوداء بحقوقهم المسلوبة إزعاجًا للجماعات العنصرية المؤيدة لنظام الفصل العنصري، ورغم ما لقيه من تهديدات بالموت، استمر في نضاله، ليتم إسكاته بالقوة عن طريق جعل تلك التهديدات واقعًا، فتم قتله بطريقة وحشية!

انهارت الأم عصبيًا ونُقلت إلى مصحة نفسية، وتم توزيع الأطفال على دور الرعاية، وتفككت أسرة ليتل…

ورغم ذكاء مالكوم ليتل الحاد في المدرسة، إلا أن الإحباط والعنصرية اللذين واجههما جعلاه يترك التعليم وينتقل إلى بوسطن ثم إلى حي هارلم بنيويورك، حيث سيبدأ فصلًا جديدًا من حياته يُعرف فيه بلقب Detroit Red كنيةً لشعره المائل للاحمرار، وانخرط بذلك اللقب في حياة الجريمة بما فيها من سرقة وقمار.

تم اعتقال مالكوم ليتل بتهمة السطو عام ١٩٤٦، وحُكم عليه بالسجن لمدة ١٠ سنوات، ليتلقى في السجن دعوةً ستغير حياته، فقد راسله إخوته ودعوه للانضمام لحركة أمة الإسلام Nation of Islam التي يقودها إليجا محمد، والتي تدعو لتمكين السود ورفض هيمنة البيض، والتي تعتبر أن الرجل الأبيض هو الشيطان!

أمة الإسلام

أقبل مالكوم على القراءة، وتخلى عن اسم عائلته ليتل الذي منحه إياه أسياد العبيد لأجداده، واستبدله بالحرف X ليرمز لاسم عائلته الأفريقي الضائع.

وبمجرد خروجه من السجن عام ١٩٥٢ أصبح المتحدث الرسمي للحركة لفصاحته وشخصيته الكاريزمية البارزة، وعلى نقيض المناضل السلمي مارتن لوثر كينغ جونيور، كان مالكوم إكس يرى أن هذا خضوع وضعف، ففي حين كان أتباع مارتن لوثر كينغ جونيور يجلسون في الأماكن المخصصة للبيض ويتعرضون للضرب والإهانة في اعتصام سلمي، كان مالكوم إكس يقول: (أي شخص يمكنه الجلوس. المرأة العجوز يمكنها الجلوس. الجبان يمكنه الجلوس. الجلوس لا يتطلب أي شجاعة..) ويقول: (لا يمكنك الحصول على حريتك وأنت تجلس.. لن تحصل على حريتك إلا إذا وقفت وطالبت بها..).

لبيك اللهم لبيك

انشق مالكوم إكس وترك حركة أمة الإسلام عام ١٩٦٤، حيث كان ما سمعه من فظائع ارتكبها رئيسها إليجا محمد كفيلًا بجعله يتركها، وبدأ رحلته للحج بنفس العام الذي ترك به تلك الجماعة، ليرى لأول مرة مسلمين من مختلف الأعراق والألوان يقفون بجانب بعضهم البعض، يتجهون لقبلة واحدة، ويرددون عبارة واحدة؛ لبيك اللهم لبيك، لا يقوم أحدهم بالاستنقاص من الآخر للونه أو عرقه، ما جعله يغير نظرته، لينتقل من ضيق إسلام الرجل الأسود إلى رحابة دين محمد الذي بُعث للناس كافة، وبدأ يدعو لحقوق الإنسان العالمية، لا لصراع بين الأعراق وحسب!

طلبًا لحقٍ لا يقبل المساومة

عاد مالكوم إكس أو الحاج مالك الشباز كما سمى نفسه من رحلته للحج، وأسس منظمة الوحدة الإفريقية الأمريكية (الأفروأمريكية) التي يدعو فيها إلى التوجه لمنظمة الأمم المتحدة والخروج عن دائرة المطالبة بالحقوق المدنية الداخلية، ليصبح مستهدفًا من جماعته السابقة التي تركها، أمة الإسلام، بالإضافة إلى أجهزة الاستخبارات الأمريكية FBI!

لم تمضِ مدة طويلة حتى جاءت أولى محاولات اغتياله التي كادت أن تودي بحياته، حيث تم تفجير منزله بحي كوينز بنيويورك عن طريق إلقاء قنابل مولوتوف حارقة، لكنه تمكن من الهروب من المنزل وتهريب زوجته وبناته الأربع، واتهم بشكل مباشر جماعته السابقة بتدبير الهجوم، إلا أن حركة أمة الإسلام رفضت ذلك الاتهام، بل وادعت، بدعم من الشرطة، أن مالكوم أحرق منزله بنفسه لكسب تعاطف الإعلام!

حتى النَفَس الأخير

بعد أسبوع واحد من تفجير منزله، رتب مالكوم إكس لإلقاء خطبة أمام أنصاره في قاعة أودوبون في حي هارلم، ورغم علمه أن أجله يقترب، إلا أنه رفض تفتيش الحضور، فاستغلت الجماعة ذلك بجعل اثنين من أعضائها يفتعلان شجارًا وهميًا، ليتسلل ثلاثة مهاجمين مسلحين ويمطروه بوابل من الرصاص، ويسقطوه ميتًا في مشهد فوضوي مرعب…

هكذا انتهت قصة كفاح المناضل مالكوم إكس، وانتقاله من صراع بين عرق وآخر إلى نضال يقوم على أساس حق مُنح للبيض والسود على حد سواء، حق المعاملة البشرية، تاركًا وراءه ابتسامةً تدل على الرضا رغم كل ما كابده من مآسٍ، ابتسامةَ شخصٍ انتصر لقضيته رغم الثمن الذي دفعه.

بقلم: ثامر الحريصي
شاركنا رأيك في هذه المقالة
قد يعجبك أيضًا

مقالات ذات صلة

☕ صباحيات ثهلان

هل أعجبك هذا المقال؟

اشترك في «صباحيات ثهلان»: مختارات من جديد ثهلان وأعدادها، تصل إلى بريدك.

من العدد السادس
عُد إلى صفحة العدد ←