قصر المربع.. شاهدٌ على انتقال الرياض من التأسيس إلى بناء الدولة
بقلم: د. ساره بنت عواض البقمي

في ذكرى اليوم الوطني السعودي السادس والتسعين
لم تكن القصور في تاريخ الدول مجرد أماكن للإقامة، بل تحولت في كثير من الأحيان إلى فضاءاتٍ لصناعة القرار، وإدارة شؤون الحكم، واستقبال الوفود، ومتابعة التحولات التي تمر بها الدولة والمجتمع. ويأتي قصر المربع في الرياض ضمن هذه الأماكن؛ إذ ارتبط بعهد الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود -رحمه الله-، وبمرحلة شهدت فيها الرياض تحولات عمرانية وإدارية تزامنت مع نمو الدولة السعودية الحديثة وتطور مؤسساتها.
وتنبع أهمية المربع من اجتماع أكثر من دلالة فيه؛ فهو مبنى يعكس خصائص العمارة المحلية، ومقر ارتبط بأعمال الحكم والإدارة، ومكان شهد جانبًا من التحولات التي صاحبت انتقال المملكة من مرحلةتوحيد البلاد إلى مرحلة تنظيم مؤسسات الدولة وشؤونها.
المربع واتساع الرياض:
جاء إنشاء مجمع قصور المربع في سياق التوسع الذي بدأت الرياض تشهده خارج نطاقها القديم. ففي عام 1355هـ/1937م وُجّه بالشروع في بناء مجمع من القصور خارج أسوار الرياض القديمة، في أرض عُرفت باسم «مربع آل سفيان»، وعلى مسافة تقارب كيلومترين من المدينة القديمة. وقد جاء هذا التوسع في ظل نمو سكاني وعمراني جعل المدينة بحاجة إلى تجاوز نطاقها المسوّر.
وفي عام 1357هـ/1938م انتقل الملك عبدالعزيز وأسرته إلى المربع، بعد أن كان قصر الحكم داخل المدينة القديمة مقرًا لإقامته وإدارة شؤون الدولة.

ويكشف هذا الانتقال عن جانب من التحول الذي كانت الرياض تمر به؛ فقد بدأ العمران يتجاوز حدوده التقليدية، وأصبح التوسع خارج الأسوار جزءًا من المشهد العمراني الجديد للعاصمة. ومن ثم يمكن النظر إلى المربع بوصفه جزءًا من تاريخ التحول العمراني للرياض، لا مجرد مقر جديد للإقامة.
أيدٍ وطنية صنعت المكان:
ولم يكن تشييد قصر المربع مجرد قرار عمراني، بل كان ثمرةً لجهد البنّائين والحرفيين الذين امتلكوا خبرة متراكمة في العمارة النجدية. وقد كُلّف المعلم حمد القباع بالإشراف على بناء القصر، وارتبط اسمه بأعمال البناء والتعمير في الرياض. وتذكر رواية صحفية منشورة في صحيفة الجزيرة عام 2002م أن عدد العاملين لدى القباع في أعمال البناء والتعمير كان يتراوح بين 200 و250 شخصًا، بينما تورد رواية أخرى منشورة في الصحيفة نفسها أن بناء قصر المربع تم بمساعدة نحو أربعة آلاف عامل من أنحاء المملكة. ولأن الروايتين تختلفان في نطاق العدد المقصود، فإن الأوثق في سياق هذا المقال عدم الجزم بعدد محدد من العمال بوصفه إجمالي المشاركين في بناء القصر.
وتكشف مشاركة حمد القباع والبنّائين والحرفيين عن جانب مهم من تاريخ القصر؛ فخلف هذا المعلم الذي ارتبط بذاكرة الحكم والدولة، كانت هناك خبرات محلية وأيدٍ شاركت في تشييده، مستفيدة من تقنيات البناء ومواد البيئة المتاحة آنذاك. وهكذا اجتمعت إرادة الدولة مع خبرة البنّائين والحرفيين في إنشاء أحد أبرز معالم الرياض في تلك المرحلة.
عمارة تستمد ملامحها من البيئة:
يعكس قصر المربع خصائص العمارة النجدية في موادها وتخطيطها. فقد استُخدمت الحجارة في الأساسات، واللبن في البناء، إلى جانب جذوع الأثل وجريد النخل في الأسقف والأبواب، وأحيط المجمع بسور ذي أبراج وبوابات. كما قام تصميم الديوان على هيئة مربع من طابقين، توزعت غرفه ووظائفه بين الخدمات والمهام الإدارية والاستقبال والمهام السياسية.
وتكتسب هذه العناصر قيمتها من كونها تسجل جانبًا من علاقة المجتمع النجدي ببيئته؛ فاللبن والحجر والأخشاب المحلية لم تكن خيارات إنشائية فحسب، وإنما كانت جزءًا من تقاليد البناء السائدة في المنطقة، بينما جاء تنظيم الفراغات الداخلية مستجيبًا للاحتياجات المناخية والاجتماعية.
ولهذا يمكن قراءة القصر بوصفه وثيقة عمرانية تساعد على فهم جانب من شكل الحياة في الرياض خلال تلك الفترة، إلى جانب قيمته المعمارية والتراثية.
الديوان ووظيفة الحكم:
كانت القيمة الأبرز للمربع في وظيفته المرتبطة بالحكم؛ فقد اتخذ الملك عبدالعزيز الديوان مقرًا لمزاولة مهام الحكم وإدارة شؤون الدولة واستقبال ضيوفها، إلى جانب دوره السكني. وتذكر دارة الملك عبدالعزيزأن الطابق الأول ضم المجلس الرسمي الصيفي والمجلس الشتوي، وباحة لضيوف الملك ومستشاريه وجلسائه، ومكتب الشعبة السياسية، ومكتب المعاريض والشكاوى، ومكتب رئيس كتبة الملك، ومكتب البرقيات، إلى جانب عدد من المرافق الأخرى.

وتكشف هذه المكونات عن تعدد المهام التي كان يضطلع بها الديوان، وعن اتساع مجالات العمل المرتبطة بالحكم والإدارة والاتصال في تلك المرحلة. كما أن وجود الشعبة السياسية ضمن وحدات الديوان يبرز الدور الذي أداه القصر في الشأن السياسي للدولة؛ ويشار إلى أن هذه الشعبة شكلت نواة لتأسيس وزارة الخارجية لاحقًا.
من التوحيد إلى بناء المؤسسات:
ارتبطت فترة المربع بعدد من التطورات والقرارات التي أسهمت في بناء مؤسسات الدولة وتنظيم شؤونها. وشهدت تلك المرحلة إنشاء وزارة الدفاع، والإذاعة السعودية، ومؤسسة النقد العربي السعودي، وإصدار العملة السعودية، وإنشاء المدارس النظامية، ومشروع سكة الحديد بين الرياض والدمام، إلى جانب إصدار أنظمة تناولت مجالات البرق، والطرق والمباني، والتقاعد، والعمل والعمال، والغرف التجارية، وجوازات السفر.
وتكمن دلالة هذه التطورات في أنها تمثل مرحلة جديدة في مسيرة الدولة؛ فبعد توحيد البلاد وتثبيت أركان الحكم، برزت الحاجة إلى بناء أجهزة قادرة على إدارة المجتمع والاقتصاد وتنظيم الخدمات والعلاقات الخارجية.
ومن هنا يكتسب المربع أهميته التاريخية بوصفه مقرًا ارتبط بمرحلة كانت الدولة السعودية خلالها تنتقل إلى مستوى أكثر تنظيمًا في إدارة شؤونها، وتتبلور فيها مؤسساتها وأنظمتها الحديثة.
الرياض وعلاقات المملكة الخارجية:
كان المربع كذلك فضاءً لاستقبال عدد من الملوك والرؤساء والوفود والشخصيات الرسمية. ويعكس ذلك تنامي الدور السياسي للرياض واتساع علاقات المملكة في محيطها العربي والإسلامي والدولي.
وتمنح هذه الوظيفة القصر بعدًا آخر؛ إذ لم يعد المكان مرتبطًا بإدارة الشأن الداخلي وحده، بل أصبح جزءًا من المشهد السياسي والدبلوماسي الذي رافق تطور المملكة وعلاقاتها الخارجية.
المكان في الذاكرة الوطنية:
تكمن قيمة المربع في الحاضر في قدرته على إبقاء هذه المرحلة التاريخية حاضرة من خلال المكان نفسه. فالجدران والأفنية والمكاتب والعناصر المعمارية لا تقدم صورة عن العمارة فحسب، وإنما تربط الزائر بسياق سياسي واجتماعي عاشته الرياض والمملكة في مرحلة مهمة من تاريخ الدولة.
وقد حظي القصر بالمحافظة والترميم ضمن الجهود الرامية إلى إبقاء مكوناته التاريخية حاضرة، وأصبح اليوم أحد المعالم التاريخية البارزة ضمن مركز الملك عبدالعزيز التاريخي في قلب الرياض. ويضم المركز عددًا من المنشآت التاريخية والثقافية، من بينها قصر المربع ودارة الملك عبدالعزيز والمتحف الوطني ومكتبة الملك عبدالعزيز العامة.
وهنا تتضح أهمية المواقع التاريخية في كتابة الذاكرة الوطنية؛ إذ تمنح الوثائق والأحداث سياقًا مكانيًا يمكن رؤيته وقراءته، وتتيح للأجيال اللاحقة الاقتراب من تفاصيل مرحلة لا يمكن استعادتها من النصوص وحدها.
المربع في اليوم الوطني السعودي السادس والتسعين:
يأتي استحضار قصر المربع في مناسبة اليوم الوطني السعودي السادس والتسعين بوصفه فرصة للتأمل في معنى بناء الدولة، لا لاستعادة حدث التوحيد منفردًا.
فقيام المملكة لم يتوقف عند جمع مناطقها تحت راية واحدة، وإنما تبع ذلك بناء مؤسساتها وتنظيم أجهزتها وتطوير إدارتها وتعزيز علاقاتها، وهي مسيرة طويلة تكشفها أماكن متعددة في الرياض، ويأتي المربع في مقدمتها.
ومن هذه الزاوية، يصبح القصر شاهدًا على مرحلة من مراحل الانتقال من الدولة الناشئة إلى الدولة الحديثة؛ مرحلة تداخل فيها العمران مع الإدارة، والحكم مع التنظيم، والمحلي مع الإقليمي والدولي.
خاتمة: ذاكرة المكان وامتداد الوطن:
يبقى قصر المربع شاهدًا على مرحلةٍ لم تكن فيها المملكة تكتب تاريخها فحسب، بل كانت تبني مقومات دولتها الحديثة. فمن المكان الذي شهد جانبًا من أعمال الحكم والإدارة، تواصلت مسيرة ترسيخ المؤسسات، وتعزيز الاستقرار، وتوسيع آفاق التنمية، حتى أصبحت المملكة العربية السعودية اليوم دولةً راسخة الحضور والمكانة.
وفي اليوم الوطني السعودي السادس والتسعين، يستعيد المربع دلالته بوصفه جزءًا من ذاكرة وطنٍ تأسس على الوحدة، وثُبّتت أركانه بالعزيمة والعمل، وتواصلت مسيرته عبر أجيالٍ حملت مسؤولية البناء وحافظت على مكتسباته.
ولذلك فإن الوقوف أمام قصر المربع ليس وقوفًا أمام أثرٍ من الماضي، وإنما أمام شاهدٍ على بدايات وطنٍ امتدت مسيرته من التوحيد إلى التأسيس، ومن التأسيس إلى البناء، ومن البناء إلى نهضةٍ تتجدد في كل مرحلة.
وإذا كانت جدران المربع قد حفظت ذاكرة البدايات، فإن المملكة اليوم تحمل امتداد تلك البدايات في حاضرها ومستقبلها؛ وطنٌ توحّد على رايةٍ واحدة، وترسخت دولته، واستمرت مسيرته، وبقيت هويته الوطنية راسخةً في وجدان أبنائه.
وهنا تكمن القيمة الأعمق للمكان: أن يظل شاهدًا على ما مضى، بينما يواصل الوطن كتابة فصوله القادمة بثقةٍ وعزم، مستندًا إلى تاريخٍ صنعه الآباء، وحاضرٍ يبنيه الأبناء، ومستقبلٍ تتطلع إليه الأجيال.
مقالات ذات صلة

مصطلح الحق الإلهي للملوك في أوروبا

التاريخ البديل: علم نشأ على الإنترنت

غرينلاند: من قسوة المكان إلى تشكّل الكيان السياسي

ما طبيعة الصراع في الأندلس؟ قراءة في رأي محمد عبدالله عنان
هل أعجبك هذا المقال؟
اشترك في «صباحيات ثهلان»: مختارات من جديد ثهلان وأعدادها، تصل إلى بريدك.

