الورق السمرقندي (الكاغد)

صناعة الورق من أبرز التقنيات التي انتقلت عبر طرق التبادل الحضاري بين الشرق والغرب، وشكّلت آسيا الوسطى حلقة وصل رئيسة في انتقال هذه الصناعة من تجار الصين إلى العالم الإسلامي، ويُرجع عدد من المؤرخين انتشار صناعة الورق في المنطقة إلى معركة تالاس التي وقعت سنة 133هـ/751م بين الدولة العباسية وأسرة تانغ الصينية بالقرب من نهر تالاس، وتشير الروايات التاريخية إلى أن عددًا من الحرفيين الصينيين المتخصصين في صناعة الورق وقعوا في الأسر عقب المعركة، مما أسهم في نقل المعرفة التقنية الخاصة بهذه الصناعة إلى مدينة سمرقند.
وبالنسبة لحقيقة رواية معركة تالاس وأسر الحرفيين الصينيين، اختلف فيها العلماء، فالبعض ذكرها على ما تم ذكره أعلاه والبعض الآخر نفاها، على سبيل المثال كتاب Paper Before Print The History and Impact of Paper in the Islamic World By Jonathan M. Bloom، نفاها ووضع بعض الأسباب، ولكن ما يهمنا أن سمرقند الواقعة في أوزبكستان الحالية، أصبحت أول مركز مهم لصناعة الورق في آسيا الوسطى والعالم الإسلامي، حيث طوّر الصناع المحليون أساليب الإنتاج بالاعتماد على المواد المتاحة في المنطقة، مثل الكتان والقنب والألياف النباتية الأخرى، وقد امتاز الورق السمرقندي بجودته ومتانته، الأمر الذي ساعد على انتشاره في مختلف أقاليم الدولة الإسلامية، ويُسمى نوع الورق السمرقندي الكاغد، بفتح الغين، وهي كلمة فارسية الأصل، والكاغذ بالذال، يعود أصل الكلمة إلى اللغة الصينية، وفي المراجع العربية القديمة يُذكر بورق الكاغد أو الكاغذ، فضلًا عن بعض الأعلام عُرفوا بنسبهم بالكاغدي، ومنهم سعيد بن هاشم الكاغذي سنة (ت347هـ)، والحسين بن علي بن إبراهيم الملقب بالجعل الكاغدي (ت369هـ/980م) وغيرهم.
ومن سمرقند انتقلت صناعة الورق إلى بغداد خلال العصر العباسي، حيث أُنشئت مصانع متخصصة لإنتاجه في أواخر القرن الثاني الهجري/الثامن الميلادي، وتاجر أهالي سمرقند بذلك، حتى أصبحت بها متاجر كثيرة لصناعة الكاغد، ثم انتشرت الصناعة إلى دمشق والقاهرة والأندلس، ومنها انتقلت لاحقًا إلى أوروبا، وأسهم هذا الانتشار في إحداث تحول كبير في مجالات العلم والثقافة والإدارة، إذ أصبح الورق أقل تكلفة وأكثر سهولة في الاستخدام مقارنة بمواد الكتابة الأخرى كالرق والبردي؛ يحدثنا الثعالبي في كتابه لطائف المعارف بقوله: “إن كواغد سمرقند بطلت قراطيس مصر – يقصد البردي –”.
وطريقة صناعة الورق السمرقندي: تُستخدم عيدان أشجار التوت، يتم تقشيرها ومن ثم بشرها ونقعها بالماء، ثم فردها على الألواح لتجف، لتصبح ورقًا صالحًا للكتابة، وكان الاعتماد في صناعة الورق في الصين وسمرقند وخراسان في بداياتها على بقايا الحرير والكتان، إلا أن ارتفاع تكلفة هذه المواد وندرتها في بعض أقاليم العالم الإسلامي دفع الصناع إلى البحث عن بدائل أكثر توافرًا وأقل كلفة، مثل الألياف النباتية والقطن والقنب والخرق البالية، ويبرز في هذا المجال دور الابتكار الذي تميز به الصناع المسلمون، إذ لم يقتصروا على نقل تقنيات صناعة الورق، بل عملوا على تطويرها وإدخال تحسينات أسهمت في رفع جودته ومنحه خصائص وألوانًا متنوعة.

ولم تقتصر إسهامات المسلمين في صناعة الورق على إنتاج ورق الكتابة بمختلف أنواعه، بل امتدت إلى تطوير صناعات فنية متقدمة، تمثلت في إنتاج الورق الملوّن والمزخرف والمذهّب، بما يضفي عليه قيمة جمالية إلى جانب وظيفته العملية. وقد عكس هذا التوجه مستوىً عاليًا من الإبداع والحرفية في مراكز صناعة الورق الإسلامية، وانتشرت هذه الأنواع الفاخرة في العديد من الأقاليم والمدن الإسلامية، مثل خراسان وسمرقند والهند، وأصفهان، ودمشق، وغيرها، وأسهم هذا التنوع في تلبية احتياجات العلماء والكتّاب والخطاطين، فضلًا عن استخدامه في نسخ المصاحف والكتب النفيسة والمخطوطات الفاخرة، مما عزز مكانة صناعة الورق بوصفها إحدى الصناعات الحضارية المهمة في العالم الإسلامي.
وفي الوقت الحالي يوجد في جمهورية أوزبكستان مصنع للورق التقليدي يُعرف باسم مصنع كونيجيل ميروس للورق (Konigil Meros Paper Factory)، ويقع في قرية كونيجيل على مشارف مدينة سمرقند. يُصنع الورق في هذا المصنع يدويًا بالكامل من لحاء شجرة التوت، دون استخدام أي مواد تبييض كيميائية، مما يمنحه لونًا أصفر طبيعيًا ومميزًا، ويعود أسلوب الصناعة إلى مئات السنين، وهو نفس الأسلوب الذي كانت تتبعه سمرقند في القرن الثامن عندما كانت مركزًا رئيسيًا لصناعة الورق على طريق الحرير، يتميز الورق السمرقندي بمتانة عالية تصل إلى 300–400 عام، ويُستخدم اليوم في ترميم المخطوطات، وإنتاج المنمنمات التقليدية، ويُباع كقطعة سياحية للزوار الذين يهتمون بالحرف التراثية الأوزبكية.
عفاف بنت صياح الشمري
باحثة ماجستير تاريخ حديث ومعاصر في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية
مقالات ذات صلة

هتلر يبحث عن الكأس: المقلب الإيطالي الذي خدع النازيين!

مصطلح الحق الإلهي للملوك في أوروبا

التاريخ البديل: علم نشأ على الإنترنت

غرينلاند: من قسوة المكان إلى تشكّل الكيان السياسي
هل أعجبك هذا المقال؟
اشترك في «صباحيات ثهلان»: مختارات من جديد ثهلان وأعدادها، تصل إلى بريدك.

