📜 نُشر هذا المقال ضمن العدد السادس من مجلة ثهلان · صفر 1448هـ / أغسطس 2026م
تصفّح العدد كاملًا ←

قراءة في الخطاب الجماهيري: الخوارج نموذجًا

بقلم تركي بن سلطان القحطاني · 30 أغسطس 2026م · 3 د. قراءة · العدد السادس
حجم الخط
100%
غلاف كتاب «سيكولوجية الجماهير» لغوستاف لوبون، دار الساقي.
صورة مولّدة بواسطة الذكاء الاصطناعي

الخطاب الجماهيري وحركة التاريخ

إن حركة التاريخ حركة معقدة متشابكة العوامل والأسباب، وتشبه في تعقيدها واختلاف محركاتها الفسيفساء في تنوعها. ولذا من الخطأ ردّ أي حدث تاريخي إلى عامل واحد. وهذا الأمر لا ينفي وجود محركات أثرت في تغيير مجريات التاريخ، ومن أبرزها الخطاب الجماهيري والإعلام باختلاف وسائله وتقنياته. لا أبالغ إن قلت ذلك، فبسببه قامت دول وسقطت دول، ومُجّدت شخصيات ولُعنت شخصيات، وترسخت مفاهيم وانهارت أخرى.

أمثلة تاريخية

ومن الأمثلة التاريخية البارزة الدعوة العباسية التي استثمرت في خطاب مظلومية آل محمد والثورة لهم، مما نتج عنه تأجيج الجماهير وقيام الدولة العباسية. وتُعدّ من أهم الحركات التي استخدمت الخطاب الجماهيري في التاريخ حركة الخوارج.

تفكيك الشعار

كان من أوائل الشعارات التي استخدمها الخوارج في خطابهم: «لا حكم إلا لله». ولو فككنا مكونات هذا الشعار لوجدنا فيه العديد من الإشكاليات: أولًا: استخدام العاطفة. ثانيًا: شعار بسيط وواضح تفهمه الجماهير. ثالثًا: التكرار، حيث تعمّد الخوارج تكراره في محافلهم.

وهنا قد يتبادر سؤال في ذهنك، أخي القارئ، وهو: ما المشكلة في ذلك؟

عقلية الجمهور

يجيب عن سؤالك غوستاف لوبون في كتابه الشهير «سيكولوجية الجماهير» بأن المشكلة تكمن في عقلية الجمهور نفسه، حيث يرى أن الجماهير تفتقد الروح النقدية، فعندما تجد خطابًا يدغدغ مشاعرها ويسهل فهمه، فسوف تسارع إلى الإيمان به. وهذا يجرنا إلى سؤال آخر: ما الخطر الذي يترتب على إيمان الجماهير بهذه الشعارات؟

تحويل الفكرة إلى شعار

الجماهير عندما تؤمن بفكرة معينة تكون في حالة استعداد للتضحية لأجل هذه الفكرة، وترى نفسها قادرة على التغيير مهما كانت الخطورة في ذلك. والأمر الثاني: عندما تصاغ هذه الفكرة في قالب الشعار، فإن ذلك يساعدها على أن تكون دائمًا في الأذهان وتُستحضر في كل حين. ويتجلى هذا الأمر في الشعار الذي ذكرناه آنفًا، وهو: «لا حكم إلا لله»، فما إن أُطلقت هذه الكلمة حتى فشت وانتشرت لدى كثير من الحاضرين في المسجد. وهذا يوصلنا إلى أمر مهم ذكره غوستاف، ألا وهو خاصية العدوى لدى الجماهير.

وقد يطرح عقلك سؤالًا ثالثًا، وهو: أليس فيهم رجل رشيد؟ أليس من بين هذه الجماهير من يعترض؟

الوحدة العقلية للجماهير

يطلق غوستاف على هذا الأمر مسمى «الوحدة العقلية للجماهير»، فعندما ينخرط الفرد في الجماعة تنطمس شخصيته الواعية، وينساق خلف التيار. ويدلل على ذلك في الصفحة ٦١، حين تنازل النبلاء الفرنسيون، في ٤ أغسطس سنة ١٧٨٩، عن امتيازاتهم، وصوّتوا على قرار التخلي عنها في لحظة حماسة؛ وهو ما كان ليحدث لو كان كل واحد منهم على حدة ومنعزلًا عن تأثير الجماعة.

قوة التغيير الجماهيري

الجماهير قادرة، على حد تعبير غوستاف، على أن تحول الجبان إلى شجاع، والبخيل إلى كريم، والشريف إلى مجرم. وتدل على تأثير الخطاب والإعلام على الجماهير مقولة عبيد الله بن زياد في الخوارج، فقد جدّ في حبسهم وملاحقتهم، فكُلِّم فيهم فأبى، وقال: «أقمع النفاق قبل أن ينجم، لكلام هؤلاء أسرع إلى القلوب من النار إلى اليراع».

وذلك لأن الخوارج اشتهروا بالفصاحة، وكان ممن برز في هذا الحقل قطري بن الفجاءة وأبو حمزة والطرماح وغيرهم، فبرعوا في الشعر والنثر، وكانت قوتهما كقوة الصورة في عصرنا الحالي -المسرحيات والمسلسلات والأفلام-، وذلك أنها تحول الرقم إلى تجربة، والخبر إلى شعور، والمعلومة إلى ذكرى مستقرة في الوجدان.

وفي الختام، لا يسعني إلا أن أشير إلى عظيم فضل كتاب «فجر الإسلام» لمؤلفه الكبير أحمد أمين، فقد ساعدني في فهم هذه الحركة التي شغلت حيزًا كبيرًا في تاريخنا. ولا أظن أني بحاجة إلى الإشارة إلى أهمية كتاب «سيكولوجية الجماهير»، إذ إنه من أوائل الكتب الرائدة في علم اجتماع الجماهير ودراستها وتحليلها.

وأستحضر في هذه اللحظة وصف أبي حيان لرسالة ذكرها في كتابه الشهير «الإمتاع والمؤانسة»، حيث قال فيها: «رسالة لطيفة الحجم في المنظر، شريفة الفوائد في المخبر»، فأقول: كتاب لطيف الحجم في المنظر، شريف الفوائد في المخبر.

ولأني ذكرت أبا حيان، فسوف أختم بكلمته اللطيفة التي كانت في رسالة اعتذاره لأبي الوفاء المهندس، حيث قال: «ومثلي يهفو ويجمح، ومثلك يعفو ويصفح». وأنا أقدمها بين يديك، أخي القارئ، وأرجو أن تتقبل اعتذاري عن التقصير أو النقصان.

بقلم: تركي بن سلطان القحطاني
شاركنا رأيك في هذه المقالة
قد يعجبك أيضًا

مقالات ذات صلة

☕ صباحيات ثهلان

هل أعجبك هذا المقال؟

اشترك في «صباحيات ثهلان»: مختارات من جديد ثهلان وأعدادها، تصل إلى بريدك.

من العدد السادس
عُد إلى صفحة العدد ←