عمرو بن لَحَيٍّ: مغيِّر دين العرب
تعود بنا الحكاية إلى بداية الهجرات للقبائل القحطانية نتيجة انهيار سد مأرب (السيل العَرِم)، وكان من ضمن تلك القبائل قبيلة خزاعة، التي نزلت قرب مكَّة، وكانت سيادة مكَّة في يد جُرْهُم، إلى أن قامت حربٌ بين خزاعة وجُرْهُم، واستطاعت خزاعة الانتصار على جُرْهُم وإخراجهم من مكَّة، وأصبحت مكَّة تحت سيادتهم. وكان العرب على الحنيفيَّة، دين إبراهيم وإسماعيل، التي تقوم على عبادة الله وحده، وتعظيم بيت الله، والحجِّ إليه، وتعظيم شرائعه، إلى قدوم عمرو بن لَحَيٍّ…
وهو عمرو بن عامر بن لَحَيٍّ الخزاعي، سيِّد مكَّة، عُرِف بثرائه الفاحش وبسيادته على قومه. ومن دلائل ثرائه ما ذكره ابن كثير: أنه فقأ عينَ عشرين بعيرًا، وكان من عادة العرب أن من ملك ألفًا من الإبل فقأ عينًا واحدةً منها. وذكر أنه ذبح أيام الحجِّ عشرة آلاف بدنة (الإبل)، وكسا عشرة آلاف حُلَّةٍ. وكان قوله وفعله في العرب كالشرع المتَّبع؛ لشرفه فيهم.
جلب الأصنام
نُقِل عن ابن هشام أنه قال: خرج من مكَّة إلى الشام في بعض أموره، فلما قدم البلقاء في الشام، وبها يومئذٍ العماليق، وهم أولاد عملاق، وقيل: عمليق بن لاوذ بن سام بن نوح، ورآهم يعبدون الأصنام، فقال لهم: ما هذه الأصنام التي أراكم تعبدونها؟ قالوا له: هذه الأصنام نعبدها، فنستمطرها فتمطرنا، ونستنصرها فتنصرنا. فقال لهم: أفلا تعطوني منها صنمًا، فأسير به إلى أرض العرب فيعبدوه؟ فأعطوه صنمًا يقال له هُبَل، فقدم به مكَّة ونصبه، وأمر الناس بعبادته وتعظيمه. وانتهى كلامه هنا. وأطاعه العرب وتوجَّهوا إلى عبادة الأصنام؛ لأن قوله وفعله فيهم كالشرع المتَّبع لشرفه ومكانته.
نستنتج أن العرب أيضًا، في هذه الفترة، نسوا جوهرَ عقائد دينهم وشريعته التي تقوم على عبادة الله وحده، مع تعاقب الزمن، وعبدوا الأصنام. ومع ذلك، بقي لهم من بقايا الحنيفيَّة شعائرُ الحجِّ، وتعظيمُ بيت الله، والطوافُ بالكعبة، والسعيُ، والوقوفُ في عرفة، وهي من شعائر دين إبراهيم عليه السلام. وأيضًا، لم ينكروا أن الله جل جلاله خالقهم وربهم، ولكنهم أشركوا به، فعبدوا الأصنام، وقالوا: إنما هذه الأصنام تقرِّبنا إلى الله.
وقال تعالى: (وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ)، وقال تعالى: {مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَىٰ}، سورة الزمر.
ولم يكتفِ عمرو بن لَحَيٍّ بهُبَل ووضعِه في مكَّة؛ وقيل إن لعمرو رَئِيًّا من الجنِّ أخبره أن أصنام قوم نوح (وَدّ، وسُواع، ويَغُوث، ويَعُوق، ونَسْر) في سِيف جدَّة (جدَّة اليوم)، وذهب إلى الموقع الذي أخبره به رَئِيُّ الجنِّ، وحفر إلى أن وجدها وأخرجها، وجاء بها مكَّة. فلما جاء الحجُّ دفعها إلى قبائل العرب.
وكان وَدٌّ لبني كلب بن وَبَرَة القضاعي، وكان منصوبًا في دومة الجندل.
وكان سُواعٌ لبني هذيل بن إلياس بن مُدْرِكة بن مُضَر.
وكان يَغُوثُ لطيء، وكان منصوبًا في جُرَش.
وكان يَعُوقُ منصوبًا في أرض همدان في اليمن.
وكان نَسْرٌ في أرض حِمْيَر، لقبيلة يقال لهم ذو الكَلاع.
وكان للعرب أصنام غير هذه، وكان لكلِّ قبيلة وأرضٍ من أراضي العرب صنمٌ…
مثل مَناة الأوس والخزرج، وخرَّبها وهدمها علي رضي الله عنه بأمر من رسول الله.
واللَّات لثقيف في الطائف، وهدمها المغيرة بن شعبة بعد فتح الطائف.
وذو الخَلَصة لدَوس وخَثْعم وبَجيلة في السَّراة، وهدمه جرير بن عبد الله البجلي.
وحول الكعبة عدد كبير من الأصنام، قيل تعدَّى عددُها 300 صنمٍ، أشهرها هُبَل، والعُزَّى، وإساف، ونائلة، وهما رجل وامرأة من جُرْهُم، حاولا التخفِّي عن أعين الناس، فدخلا جوف الكعبة وفعلا الفاحشة، فمسخهما الله حجرين. وقام عمرو بن لَحَيٍّ بإخراجهما من جوف الكعبة، وأمر العرب بتعظيمهما.
وكلُّ الأصنام التي حول الكعبة هُدِمت في فتح مكَّة سنة 8 هجريَّة.
أول من سيَّب السوائب
وفي حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم في عمرو بن لَحَيٍّ الخزاعي، في صحيح البخاري، عن أبي هريرة، قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «رأيت عمرو بن عامر بن لَحَيٍّ الخزاعي يجرُّ قُصْبَه في النار، وكان أوَّل من سيَّب السوائب».
يَجُرُّ أمعاءَه الخارجةَ من بطنِه؛ من شدَّة العذابِ في النَّار، وقد رآه النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم حينَ عُرِضَتْ عليه النارُ، كما ثبَتَ في صَحيحِ مُسلِمٍ، وهو الذي غيَّر دِينَ إبراهيمَ عليه السَّلامُ في الجَزيرةِ العربِيَّةِ، وجَعَل النَّاسَ يَعبُدون الأصنامَ، و«كان أوَّلَ مَن سيَّب السَّوائبَ»، أي: أوَّلَ من ابتَدَع هذا وجعَلَه دِينًا.
مقالات ذات صلة

هتلر يبحث عن الكأس: المقلب الإيطالي الذي خدع النازيين!

مصطلح الحق الإلهي للملوك في أوروبا

التاريخ البديل: علم نشأ على الإنترنت

غرينلاند: من قسوة المكان إلى تشكّل الكيان السياسي
هل أعجبك هذا المقال؟
اشترك في «صباحيات ثهلان»: مختارات من جديد ثهلان وأعدادها، تصل إلى بريدك.

