📜 نُشر هذا المقال ضمن العدد التاسع من أعداد منصة ثهلان · أكتوبر 2026م

العالم الكمومي: عندما يصبح العلم خادمًا للجهل

بقلم: أ. د. محمد رشيد ميلود

أستاذ التعليم العالي بجامعة الجزائر 2
الأحد 11 أكتوبر 2026م · 30 ربيع الآخر 1448هـ · 8 د. قراءة · العدد التاسع
حجم الخط
100%
إرفين شرودنغرإرفين شرودنغر
فيرنر هايزنبرغفيرنر هايزنبرغ
نيلز بورنيلز بور
كمال بدّاريكمال بدّاري
ميشيو كاكوميشيو كاكو
المصادر (ويكيميديا كومنز): شرودنغر ١٩٣٣ — مؤسسة نوبل، ملك عام؛ هايزنبرغ ١٩٣٣الأرشيف الاتحادي الألماني Bild 183-R57262، رخصة CC BY-SA 3.0 DE؛ بور نحو ١٩٢٢ — المعهد الأمريكي للفيزياء، ملك عام؛ بدّاري ٢٠٢٠ — Kamelheragmi، رخصة CC BY-SA 4.0؛ كاكو ٢٠١٤ — Cristiano Sant´Anna، رخصة CC0. الصور مقصوصة بأبعاد موحدة.

بما أنك تنظر إلى شاشة هاتفك الآن، فإنك كنت قد رأيت قطعًا قبل كلمات هذا المقال صور العلماء أعلاه وألوانًا ومرئيات، غير أنك في حقيقة الأمر كنت تنظر - والحال الآن - إلى أصفار وآحاد لا غير. لكن ماذا لو كان الكون كله كذلك؟ ماذا لو كان كل شيء يظهر خلاف ما يبطن؟ إن هذا ما يهز يقين الإنسان في بداهاته الحسية، ويفتح الباب أمام سؤال مقلق، وهو ما إذا كان كل ما نراه هو الحقيقة فعلًا، أم مجرد إسقاطات مشوهة لعالم أعمق؟ إن ما ندركه بحواسنا قد لا يكون الواقع، بل تمثيلًا ناقصًا غير كافٍ له.

هل غادرنا الكهف؟

قبل أكثر من ألفي عام، كان أفلاطون قد قدم مفارقة «الكهف» في قصته الشهيرة، التي أدرجها في كتابه «الجمهورية»، والتي تعد واحدة من أعظم الاستعارات الفلسفية في تاريخ الفكر الإنساني. تنطوي هذه المفارقة على تخيل أناس مقيدين داخل كهف مظلم منذ ولادتهم، وطوال سنوات حياتهم كانت وجوههم مثبتة ومصوبة تجاه جدار وحيد للكهف، لا يرون من العالم سوى ظلال تتحرك، كانت تعكسها نار مشتعلة للإضاءة على ذلك الجدار الصخري، فتغدو تلك الظلال المشوهة الحقيقة الكاملة للوجود في وعيهم المحدود. لكن ماذا لو كان ما نراه في حدود قدراتنا العقلية نهايةً للكون هو ذلك الجدار بالذات، وأنه بداية لكون آخر أوسع وأعظم؟!

إن هذا ما يقودنا إلى معضلة فلسفية إذا لم نغادر الكهف، وهي أن ما تراه أعيننا، وما تستشعره حواسنا وما نعده واقعًا، قد لا يكون سوى انعكاس ناقص لحقائق ووقائع أعظم وأعمق، تدور أو ربما تحدث آنيًا في أبعاد خفية لا تدركها حواسنا القاصرة.

هل نحن أسماك؟

في كتابه الشهير «الفضاء الفائق» يضرب الفيزيائي ميشيو كاكو مثالًا بسيطًا لكنه بليغ جدًا لتوضيح مدى قصور إدراكنا، حين يدعونا لتخيل سمكة تعيش في بركة ضحلة، تعتقد أن عالمها يقتصر على الماء والطحالب، وأن سطح البركة هو سقف الوجود. هناك، لا يمكن لهذه السمكة أن تفهم «ظاهرة» سقوط الأمطار أو هبوب الرياح، لأنها تحدث في بعد فيزيائي خارج مجال رؤيتها أو ما اعتادت عليه ربما. إن التموجات التي تحدث على سطح الماء نتيجةً لـ«ظواهر» سقوط الأمطار أو هبوب الرياح هي أحداث من قوى غامضة وغير مرئية بالنسبة لها من خارج عالم البركة، وأحداث فائقة لحدود ما يمكن أن يسمى وعيًا للسمكة. نحن بحسب هذا التشبيه قد نكون تلك السمكة، إذ نعيش في كون نختبره بثلاثة أبعاد مكانية وبعد زمني واحد، بينما تشير نماذج فيزيائية حديثة، مثل نظرية الأوتار الفائقة، إلى احتمال وجود أبعاد إضافية غير مرئية.

هل ما زلنا في الكهف؟

لم تبقَ هذه الفكرة الأفلاطونية حبيسة الفلسفة، بل عادت بقوة في القرن العشرين من بوابة غير متوقعة، وهي الفيزياء الحديثة؛ فالميكانيكا الكمومية لم تكتفِ منذ نشأتها بتغيير معادلات الحركة والطاقة، بل زعزعت مفهوم الواقع نفسه. يؤكد عالم الفيزياء والرياضيات كمال بدّاري في أحدث كتبه أن «الميكانيكا الكمومية اقترحت التخلي عن الفرضيات المنهجية والمنطق المعتاد، وأنماط البحث والتفسيرات. كما ظهرت مبادئ جديدة للمعرفة، وقابلية الملاحظة، والتكامل بين الأوصاف المختلفة، والتوافق بين النظريات، وتمت مراجعة دور المراقب. لقد أدت اكتشافات الميكانيكا الكمومية في نهاية المطاف إلى منح البشرية معظم التقنيات التي ستخلد في الذاكرة لهذا القرن: الأسلحة النووية، الليزر… تعتمد كل هذه التقنيات والأجهزة على إدارة الظواهر الكمومية الجماعية التي تنطوي على تفاعلات على مستوى تدفقات الجسيمات (الذرات والجزيئات)، في البيئات المختلفة التي يتم رصدها. تسمى هذه الفترة من تطور الفيزياء والتكنولوجيا عادة الثورة الكمومية الأولى. في نهاية القرن العشرين، تعلم العلماء كيفية التحكم في الأنظمة الكمومية المعقدة على مستوى مكوناتها الأولية، أي التلاعب بالذرات وحتى الجسيمات الأولية مثل الفوتونات، مما أتاح إنشاء أنظمة تشفير وحوسبة كمومية. وقد مهد ذلك الطريق لعصر الثورة الكمومية الثانية، التي نعيش في بدايتها اليوم».

الغرور المعرفي - مشكلة كبرى!

إن المشكلة الكبرى لدى البشر تكمن في الغرور المعرفي الذي يصور لنا أننا نعرف كل شيء. إننا نميل بطبعنا إلى الاعتقاد بأن حدود رؤيتنا هي حدود الوجود، وأن ما لا نراه هو ببساطة غير حقيقي وغير موجود، غير أن «نظرية الأوتار الفائقة» في الفيزياء الكمومية جاءت لتكسر هذا الغرور. وفي معنى يلتقي مع جانب من فلسفة نيلز بور في النظر إلى الواقع الكمومي، يعبّر الفيزيائي جون غريبن عن ذلك بقوله: «كل ما نسميه حقيقيًا، هو مصنوع من أشياء لا يمكن أن نعدها حقيقية». فالعالم، كما ذكرنا في مقالات سابقة، على المستوى الذري، لا يظهر ككيان صلب مستقل، بل كرزمة من الاحتمالات لا تتحدد إلا عند التفاعل معها. وكأننا ربما ما زلنا في كهف أفلاطون، نرى الظلال في الكهف مثلما نرى الاحتمالات في عالم الصغائر، أو ربما في أعماق البركة نرى تموجات السطح كما نرى ثنائية الموجة والجسيم في العالم الكمومي.

إن الواقع مختلف تمامًا عما يبدو عليه، وهو ما يؤكده هايزنبرغ بقوله إن مفاهيمنا الكلاسيكية عن الواقع تنهار عندما ننزل إلى أعماق الذرة، حيث لا تعود الأشياء «أشياء» أو «موضوعات» بالمعنى المألوف، بل علاقات واحتمالات، وأن عدم الرصد لا يعني عدم الوجود. هذا ما يدفعنا إلى التأكيد على أن العلم نفسه يعترف بوجود مستويات من الواقع لا تطالها الحواس مباشرة، وأن العلم خادم للجهل بالأحداث في العالم المتناهي الصغر.

قطة تهدم اليقين

لا يمكننا الحديث عن انهيار اليقين الكلاسيكي دون ذكر القطة الأشهر في تاريخ العلم؛ إنها قطة شرودنغر، التي تسببت في انهيار اليقين الإنساني في العلم بمجرد مكوثها في صندوقها الغامض. إنها، وفق قراءتنا هنا لدور وعي الراصد، قطة عالقة في عالمين وواقعين مختلفين لا يثبتان إلا بوعي الراصد أو المراقب. إنها ليست حية ولا ميتة بالمعنى الذي نفهمه، إنها «تراكب احتمالي» يجمع النقيضين في آن واحد، في إسقاط كمومي لا ينتهي إلا بفتح الصندوق.

تكمن الصدمة المعرفية في كون فعل «الرصد» أو «الملاحظة» هو ما يجعل الحقيقة تأخذ احتمالًا وتتجسد في واقع بعينه. إننا لا نكتشف الواقع فحسب، بل عن طريق وعينا، وبطريقة ما ما زلنا نجهلها، نصنع هذا الواقع في كل لحظة نفتح فيها الصندوق. إن ما نراه ليس هو ما هو موجود فعلًا، إنه ما اخترنا رؤيته بطريقة ما حين توقفنا عن الجهل بالأمر وبدأنا بفعل الرصد والملاحظة.

الخروج من الكهف والبركة معًا

إن الفيزياء الحديثة، شأنها شأن أسطورة أفلاطون، تهمس لنا بحقيقة مقلقة، وهي أن ما نراه ليس كل ما هو موجود. إن الخروج من هذا الكهف لا يعني امتلاك الحقيقة المطلقة، بل الاعتراف بحدودنا وحدود ذكائنا ووعينا، وبأن العلم خادم للجهل؛ فالجهل في مستواه العميق ليس نقيض المعرفة إطلاقًا، بل جزء بنيوي منها. وهنا فقط يبدأ الفهم الحقيقي، حين ندرك أن الكون أوسع من حواسنا، وأن الإنسان ليس مركز الوجود، بل مشارك متواضع في الكون الذي صنعه الخالق العظيم.

لماذا تفشل اللغة في وصف الحقيقة؟

لنكن صادقين ونغير قليلًا من طرائق تفكيرنا ونعترف بأننا لا نرى الحقيقة لأن لغتنا لا تحتوي على أدوات لرؤيتها. بالموازاة مع الثورة الكمومية، يجب أن تكون ثورتنا القادمة في القواميس؛ فالحقيقة أننا لا نرى العالم كما هو، بل كما يسمح لنا الوعي واللغة والمنطق وقواعد النحو والصرف. نحن بحاجة إلى لغة ذكية تصف العلائق والأشياء والأحداث جنبًا إلى جنب مع ثورة في المصطلحات، التي تصف هندسة معقدة من الاحتمالات في أبعاد تتعدى حدود فهمنا المعتاد.

خاتمة

إذا كان الهاتف يخدعنا بصور ونصوص ومرئيات ملونة هي في الأصل أصفار وآحاد، فالمادة التي نلمسها هي مجرد واجهة مستخدم بسيطة صممها الخالق لنستطيع التعامل مع واقع أعقد بكثير من ذراته. إنه كون يعمل بدقة وفق هندسة خالق عظيم وسع كرسيه السماوات والأرض!

إن السمكة في بركة كاكو لا تملك لغة لوصف المطر لأنه يتجاوز حدود وعيها وما اعتادت عليه، وكذلك الحال معنا نحن البشر، حيث نفتقر للحواس التي ترصد الأبعاد الإضافية التي تفترضها نظرية M. غير أننا نملك شيئًا لا تملكه السمكة، وهو علم الفيزياء والتجريد الرياضي، وهما النافذتان الوحيدتان اللتان نطل منهما خارج الكهف.

إننا اليوم، وبينما نعيش مخاض الثورة الكمومية الثانية، لم نعد نبحث عن أشياء جديدة، بل عن رؤية وطرائق تفكير جديدة. لقد آن الأوان لنعترف بأن حواسنا ليست أدوات لمعرفة الحقيقة المطلقة، إنها مجرد مرشحات تحمي عقولنا الصغيرة مما يتجاوز حدود فهمنا المتواضع.

ختامًا، هل نحن أسماك؟ ربما. وهل توقعنا ما في الصندوق حقًا؟ إطلاقًا. وهل ما زلنا في الكهف؟ على الأرجح. لكن الفرق الوحيد هو أننا الكائنات التي تعلمت استحالة توقع ما في الصندوق من منطلق ذهني بحت، وأننا الأسماك الوحيدة التي أدركت وجود البركة، والسجناء الوحيدون الذين بدؤوا يشكون في حقيقة الظلال في الكهف.

إن المعرفة الحقيقية ليست في رؤية ما يراه الجميع، إنها في امتلاك الشجاعة والاعتراف بأننا كائنات ضئيلة في كون الخالق العظيم، وبأن جهلنا جزء من معرفتنا، وبأن لغتنا قاصرة عن وصف ظواهر أصغر منا بمئات المليارات من المرات، وبأننا لم نؤت من العلم إلا قليلًا.

محمد رشيد ميلود

أستاذ التعليم العالي

بقلم: أ. د. محمد رشيد ميلود
قد يعجبك أيضًا

مقالات ذات صلة

☕ صباحيات ثهلان

مختارات ثهلان في بريدك

اشترك في «صباحيات ثهلان»: مختارات من جديد ثهلان وأعدادها، تصل إلى بريدك.

من العدد التاسع
عُد إلى صفحة العدد ←