📜 نُشر هذا المقال ضمن العدد السابع من مجلة ثهلان · سبتمبر 2026م
تصفّح العدد كاملًا ←

خط المسند الجنوبي: بين أصالة المنشأ وهندسة الحرف

بقلم مؤيد العسيري · 13 سبتمبر 2026م · 3 د. قراءة · العدد السابع
حجم الخط
100%
خط المسند الجنوبي: بين أصالة المنشأ وهندسة الحرف
صورة أرشيفية حقيقية

يُستعمل لفظ المُسند - بضم الميم - في اللغة العربية للدلالة على الشيء الذي يعتمد عليه أو يستند إليه، كأن يكون وسادة أو دعامة، كما ورد أيضًا بمعنى العارضة الأفقية ذات الأرجل أو الكرسي.

ويُسهم هذا المعنى اللغوي في دعم الرأي التاريخي القائل بأن تسمية خط «المسند» جاءت مستوحاة من هيئة حروفه، إذ تظهر الحروف قائمة ومتتابعة، وكأنها تستند إلى بعضها بعضًا. ويُعدّ هذا الرأي - المدعوم بالمعاجم اللغوية - الأرجح في نظر الباحث.

كما يرى بعض المستشرقين أن العرب الجنوبيين استلهموا شكل حروف المسند من أعمدة مبانيهم، فجاءت الحروف قائمة تشبه عمارة قصورهم ومعابدهم، في تعبير عن رغبة واضحة في إيجاد انسجام بصري بين شكل الحرف والبناء المعماري.

ويرجع أقدم نقش جنوبي مكتوب بخط المسند - وفق المعطيات الأثرية الحالية - إلى أوائل القرن التاسع قبل الميلاد، على أبعد تقدير، ويُستدل على ذلك بختم عُثر عليه بموقع «بيتل» بفلسطين. ومع ذلك، لا يُعدّ هذا التاريخ حاسمًا لبداية ظهور الخط؛ إذ لا يُشترط أن يكون زمن النقش مطابقًا لتاريخ الختم المكتشف، فقد يكون الخط أقدم من ذلك، وحتى اليوم، لم يتمكن الباحثون من تحديد الكيفية الدقيقة لنشأة خط المسند، وإنما يكتفون برصد أقدم آثاره المؤكدة.

أما أحدث ما توصّل إليه علماء الآثار، فيشير إلى وجود نقوش مسندية تعود إلى أواخر القرن السادس الميلادي، وهو ما يدل على استمرار استخدام هذا الخط لفترة طويلة، قبل أن يبدأ في الاندثار مع شيوع اللهجات العربية الشمالية، ثم مع بزوغ الإسلام ونزول القرآن الكريم.

أثر مكتوب:

ويرى بعض الباحثين أن الجنوبيين اقتبسوا خط المسند من الفينيقيين، غير أن هذا الرأي محل جدل؛ إذ يذهب اتجاه آخر إلى أن الفينيقيين أنفسهم يُعدّون فرعًا من الشعوب الجنوبية، وأن الحضارة اليمنية الجنوبية أقدم زمنيًا من الحضارة الفينيقية.

وبناءً على ذلك، يُرجَّح أن خط المسند نابع من البيئة الحضارية اليمنية الجنوبية الخالصة، ويُعدّ من أقدم نظم الكتابة الأبجدية المعروفة، بل وتذهب بعض الآراء إلى أن الحروف الفينيقية قد تكون مقتبسة من الحروف المعينية اليمنية القديمة.

ويُعدّ خط المسند الجنوبي أحد اللهجات الكتابية اليمنية القديمة المرتبطة بالحضارة الحميرية، وقد تميز بعدد من الخصائص البارزة، أبرزها اعتماده على النقش على الصخور والمباني والجدران. ويتكوّن هذا الخط من حروف أبجدية يبلغ عددها (29) حرفًا، وهو العدد نفسه لحروف العربية الحديثة إذا تم اعتبار الهمزة حرفًا منفصلًا.

ومن أبرز سماته أن حروفه لا تُدمج أو تُوصل ببعضها كما في العربية، بل تُكتب منفصلة وقائمة بذاتها. وعند الانتقال من كلمة إلى أخرى، يُفصل بينهما بخط عمودي يُسهّل على القارئ تمييز حدود الكلمات. كما يُكتب ويُقرأ من اليمين إلى اليسار، شأنه في ذلك شأن اللغة العربية.

وتخلو حروف المسند من النقاط وعلامات الترقيم والتشكيل، فتبدو كحروف صامتة، ويُعبَّر عن التنوين بإضافة حرف النون في نهاية الكلمة، بينما يُعبَّر عن التشديد بتكرار الحرف المشدد، ولم يرصد الباحثون طريقة خاصة للتعبير عن الاستفهام في نصوص المسند، وهو أمر شائع في اللغات السامية القديمة عمومًا.

كما تتسم نصوص المسند بكتابتها للأفعال بصيغها الأصلية المجردة، بحيث يقوم القارئ باستنتاج الصيغة والدلالة من سياق النص، وهو ما يعكس محدودية تنوع الصيغ الصرفية الظاهرة مقارنة بالعربية اللاحقة.

بقلم: مؤيد العسيري
شاركنا رأيك في هذه المقالة
قد يعجبك أيضًا

مقالات ذات صلة

☕ صباحيات ثهلان

هل أعجبك هذا المقال؟

اشترك في «صباحيات ثهلان»: مختارات من جديد ثهلان وأعدادها، تصل إلى بريدك.

من العدد السابع
عُد إلى صفحة العدد ←