قصة الجميلات التي غيَّرت وجه الخليج
تروي لنا جدران المدار فصلًا مذهلًا من تاريخ رجال صاغوا بفروسيتهم مصائر أمم، وانطلقوا من بوادي الأفلاج ليخطوا أمجادًا امتدت حتى شواطئ الخليج.
تستوطن قبيلة الجميلات العريقة - ومنهم الآن آل صباح حكام الكويت، وآل خليفة حكام البحرين - أرض الأفلاج، حيث سكن فريق منهم في المدار، وهي أقصى قرى الأفلاج؛ تقع على مسافة تقارب 110 كيلومترًا من مدينة ليلى، وكانت موطنًا لعدد من القبائل، ومن بينها الجميلات. وقد عُرفت المدار منذ وقت مبكر بوجود القصور والحصون والقرى الزراعية، ثم تطورت مع الزمن إلى أحياء منتظمة تحيط بها النخيل والأشجار. ومن أبرز معالم المدار «قصر صبيح»، وهو حصن ارتبط اسمه بتاريخ الجميلات.
وإذا كان قصر صبيح يمثل حضور الجميلات في المدار، فإن قصر سلمى في البديع يمثل جانبًا آخر من تاريخهم، ارتبط بالقوة والحماية والصراع على المكان؛ ففي قلب القرن العاشر الهجري، برز اسم حماد الجميلي، ذلك الأمير الشجاع والمحنَّك من قبيلة الجميلات، الذي سئم دفع الإتاوات الثقيلة لشريف مكة، فبنى قصره الحصين «قصر سلمى» لحماية نفسه وقبيلته من هجمات شريف مكة...
ويقع القصر في قرية البديع الشمالية - وهي من قرى الأفلاج أيضًا - وهو قصر كبير أحاطت به أسوار متكررة لحماية سكانه، والقصر أشبه بحصن ذي بناء قوي، يبلغ عرض سوره نحو أربعة أمتار، وترتفع أبراجه إلى نحو عشرة أمتار. وقد صُممت القلعة على شكل سداسي، بحيث يوجد في كل زاوية برج للمراقبة والدفاع، كما كان محيطُ القصر خندقًا يبلغ عرضه وعمقه نحو عشرة أمتار، وكان يُملأ بالماء في أوقات الخوف والشدة، مما جعل الوصول إلى القصر واقتحامه أمرًا بالغ الصعوبة.
وتروي الرواية أن حماد كان يرسل إتاوة سنوية إلى شريف مكة، ثم قرر في إحدى السنوات التوقف عن دفعها، ووصلت الأخبار إلى الشريف، فأرسل جيشًا لمحاربة حماد، فتوجه الجيش إلى قصر سلمى وحاصره، ومكث أمام القصر نحو أربعين يومًا دون أن يتمكن من اقتحامه، وحين عاد قائد الجيش وأخبر الشريف بما حدث...
ووصف القصر بقوله إنهم وجدوا «سلمى أسفلها في الماء وأعلاها في السماء»، في وصف يعكس صعوبة الوصول إليه وقوة تحصيناته!
لكن القصة لم تنتهِ عند هذا الحصار، ففي عام 989هـ/1581م، توجه الشريف مرة أخرى للقضاء على حماد الجميلي، وتمكن من هزيمته وإرغامه على دفع الإتاوة، وبعد ذلك اتجه الشريف إلى الخرج عبر طريق المدار، باعتبارها منفذًا عبر جبال طويق.
من البديع إلى حصن كوت
ولم تكن شجاعة الجميلات وتاريخهم ليقفا عند حدود البديع والمدار؛ فقد دارت الأقدار دورتها لتنطلق أوسع هجرة تاريخية نحو شواطئ الخليج، فعلى إثر خلافات ونزاعات قبلية، غادرت أفواج من القبائل من المدار، من بينهم أجداد آل صباح وآل خليفة وجماعات من الجميلات متوجهين نحو الساحل، استقروا في القرين - الكويت حاليًا - بعد رحلة طويلة عبر قطر والبصرة...
وهناك استأذنوا حاكم الأحساء ابن عريعر، فأذن لهم بالسكن في حصن الكويت - وتجدر الإشارة هنا إلى أن كلمة كويت هي تصغير لكلمة كوت البابلية، والتي تعني البيت المربع كالقلعة أو الحصن، ويكون مبنيًا بقرب البحر لتقصده السفن للتزود منه بما تحتاجه - ليتأسس حلف العتوب وتنتشر تسمية الكويت، وهناك نُصِّب صباح بن جابر العتبي الجميلي أميرًا على الكويت، لتنطلق مسيرة إمارة آل صباح العريقة.
وفي ضفة أخرى، واصل آل خليفة رحلة المجد، فارتحلوا إلى الزبارة في قطر مع أخوالهم من العتوب، فصنعوا مجدًا تجاريًا وبشريًا شامخًا، قبل أن يعبروا إلى البحرين عام 1196هـ/1782م، ويمهدوا لدخولها وتأسيس ملكهم الواسع الذي تَكَمَّل في مطلع عام 1197هـ/1783م.
وبعد هجرة الجميلات في القرن الثاني عشر الهجري، ظلت ذكريات المدار معلقة بقلب الشاعر فيصل الجميلي، وهو رجل شجاع، شاعر ذاع صيته في بوادي نجد كلها، كان يسكن قصر أجداده في المدار «قصر صبيح» وعمَّره بالكرم والخصال الفاضلة، فلم يتجاوز قلبه سنواته التي قضاها في المدار، فقد رحل في آخر حياته إلى الكويت، وغاب النور عن ذلك المكان، فسُمِّي قصر صبيح بـ«طفية» لانطفاء نوره.
ومن مقره البعيد أرسل قصيدة نبطية مشهورة إلى أقاربه في المدار يبكي فيها نفسه وحياته، ويذكر أنه عاش في المدار نحو تسعين عامًا كلها مليئة بالذكريات الجميلة والحياة الريفية الكريمة، قال فيها:
قال الجميلي والجميلي فيصل
والراس من تحت العمامة مال
قعدت في سوق العراقين جالس
لا سايل حي ولا من سال
إلى أن قال:
ترى ديرتي يا جاهلين بديرتي
عليها من في العرين ظلال
كم مدة وردت فيها فاطري
لا بلجوا في طيها الخال
ملكت بالمدار تسعين عيلم
مساليها بالريف يوم أنسال
وهكذا تفرقت خطى الجميلات بين البديع والمدار والكويت والبحرين، وظلت تلك القصور الشامخة في الأفلاج، بصمود جدرانها حتى اليوم، شاهدًا حيًّا على أمجاد عريقة انطلقت من بين النخيل والظلال، لتكتب فصلًا فريدًا من السيادة والعز الذي امتدت آثاره لتصنع تاريخ الخليج العربي.
المرجع:
عبدالله بن عبدالعزيز آل مفلح الجذالين، تأريخ الأفلاج وحضارتها، تقديم حمد الجاسر، 1992م، ص ٤٩، ٦٩–٧٠، ١٥٨، ١٦٠، ١٧٠–١٧٢.
مقالات ذات صلة

مصطلح الحق الإلهي للملوك في أوروبا

التاريخ البديل: علم نشأ على الإنترنت

غرينلاند: من قسوة المكان إلى تشكّل الكيان السياسي

ما طبيعة الصراع في الأندلس؟ قراءة في رأي محمد عبدالله عنان
هل أعجبك هذا المقال؟
اشترك في «صباحيات ثهلان»: مختارات من جديد ثهلان وأعدادها، تصل إلى بريدك.

