الصوت أم القلم؟

بقلم: تركي بن سلطان القحطاني

مؤسس ومشرف منصة ثهلان
الثلاثاء 3 نوفمبر 2026م · 4 د. قراءة
حجم الخط
100%
رسم سريالي تعبيري: كاتب يملي أفكاره في مسجّل صوتي، فتنبثق منها خيوط مضيئة تتشابك وتتحول إلى صفحات مكتوبة، بينما يرقد القلم على المكتب.
صورة مولّدة بواسطة الذكاء الاصطناعي

دائمًا ما كنت أجد صعوبة في البحث عن طريقة ملائمة ومناسبة لكتابتي، حيث وجدت أنني أثناء الكتابة، في بعض الأحيان، أجد صعوبة في الاسترسال بالأفكار والتعمق فيها وربطها ببعضها، وأبدأ بالاهتمام بصياغة الكلام. وحتى لو حاولت أن أدع لنفسي فرصة الاسترسال في كتابة الأفكار وتعميقها وربطها ببعضها، سرعان ما تتحجر الأفكار، ويتوقف الإمداد اللغوي في الكتابة، وأقع عاجزًا إزاء ذلك.

حتى وصلت إلى مرحلة لا أقول إنها مرحلة اليأس، فأكون كاذبًا، ولكنني لم أكن راضيًا عن المستوى الذي أقدمه في نصوص الكتابة التي أطرحها.

لجأت إلى قراءة الكثير من أدلة كتابة المقالات والنصوص الإبداعية، وما تتضمنه من طرق وأفكار، وكلها ترشد إلى مسألة القراءة. وأنا لا أزعم بأنني فرّاء الكتب وجارد المطولات، ولكنني قارئ جيد، وهذا ما كان يحيرني.

ولكنني وجدت الحل وعثرت على الكنز المفقود، ففي خضم هذه الحيرة، تخرج للإنسان أفكار وحلول تناسب طبيعته، وتجعل له خطًّا وأسلوبًا خاصَّين به. وهذه من مزايا خوض التجارب، ومن مزايا التطبيق العملي؛ إذ تعرف نقاط ضعفك ونقاط قوتك، وكيف تحسّن هذه النقاط. والإنسان يجب أن يستفيد منها.

وصدقًا، لم أكن أعلم أن هذه الطريقة قد اتبعها كتّاب قبلي. ولطبيعة الفضول لديّ، أردت أن أبحث عن الكتّاب الذين قد تتشابه طريقتهم مع طريقتي، فصُدمت من النتائج التي خرجت بها خلال البحث.

وقبل أن أشارككم تجارب الكتّاب، يجب أن أعرّفكم بهذه الطريقة التي وصلت إليها، وهي استخدام التفريغ الصوتي. نعم، إذ أفكر بكل حرية، وأطرح جميع ما أفكر به دون قيود، وأستخدم وأستخرج المصادر والنصوص التي أريد أن أرفقها بالمقالة مع إحالاتها.

وعندما أفرغ المقالة صوتيًا، أشعر كأنني كنت في جلسة ودية أتبادل فيها الحديث مع صديق عزيز، براحة نفسية، ويبدأ رأسي بالهدوء بعد الضجيج الذي كان يعمّه.

ويمكن أن أعلل ذلك بكسلي وحبي لنفسي لدرجة أنني لا أريد أن أتعب أناملي! يمكن ذلك، ولكن هذا ما ارتحت إليه، والإنسان، كما يقول المثل الشعبي، ينام على الجانب الذي يريحه.

وبعد ذلك أبدأ بالمرحلة التالية، وهي تصحيح الأخطاء الإملائية والنحوية، ومن ثم أترك المقالة حتى تهدأ، وآتي بعد يوم أو يومين وأعيد صياغتها وحبكها («تأثيث المقالة»، كما يسميها الكاتب العزيز بسام الهويمل)، حتى يخرج النص بشكل جيد.

وهذه بعض تجارب الكتّاب الذين شاركوني هذه الطريقة، وكان من أبرزهم مارك توين.

فقد حاول مارك توين أن يكتب سيرته الذاتية على امتداد نحو خمسة وثلاثين عامًا ولم يستطع. ثم في سنة 1906م بدأ يملي ذكرياته شفهيًا بدلًا من كتابتها مباشرة، ثم يراجع النصوص المكتوبة بعد تفريغها.

وتذكر دار نشر جامعة كاليفورنيا أن توين أبدى سعادة كبيرة حين اكتشف هذه الطريقة، ووصفها بأنها خطته الصحيحة أخيرًا لكتابة سيرته.

وكذلك هنري جيمس، وهو من كبار الروائيين في الأدب الإنجليزي، اعتمد على الإملاء في جانب من أعماله الأدبية.

وونستون تشرشل كذلك، لكنه كان يدقق في مرحلة إعادة الصياغة والكتابة والتحرير.

ومثل ذلك كارل ساغان، الذي كان يسجل ثم يفرغ تسجيلاته ويحررها ويعيد كتابتها. ومكتبة الكونغرس الأمريكية تحتفظ بتسجيل صوتي من مسودة روايته «اتصال» سنة 1984م.

وقد ألّف الكاتب ستندال روايته الشهيرة «دير بارما» خلال 52 يومًا سنة 1838م، وكان يملي نصها على ناسخ، مستعينًا بمسودات اليوم السابق. وقد كان يرتجل أثناء الإملاء، والعجيب أنه أحيانًا لم يكن يعرف ماذا سيحدث في الفصل التالي وهو يملي الفصل الحالي.

وأظن أنني بالغت بكلمة «عجيب»، فمن خلال تجربتي أثناء التسجيل الصوتي تتولد الأفكار، وأرى أنها تترابط.

والناس طبائع، ولكلٍّ تجربته المحترمة؛ فبعضهم لا تترابط لديه الأفكار ولا تنضج إلا خلال الكتابة بالقلم، وبعضهم مثلي في ناحية التفريغ الصوتي.

وقد استخدم هذه الطريقة في بعض رواياته الكاتب المشهور والمعروف فيودور دوستويفسكي، وبالذات في روايته «المقامر» سنة 1866م، فقد استأجر آنا سنيتكينا ليملي عليها روايته، قبل أن يتزوجها بعد ذلك، وأنجزها في أقل من شهر.

ويبدو أن طريقة الإملاء كانت في العصور السابقة طريقة المرفّهين والأرستقراطيين من الكتّاب، أو هكذا أزعم، الذين تتوفر لديهم الإمكانيات المادية، أو يوجد لديهم تلاميذ يساعدونهم. ويُستثنى من ذلك مَن توفّر لديه أحد أفراد عائلته أو أصدقائه المخلصين ليساعده.

إذ إن فكرة أن يتوفر لديك شخص متفرغ لتسجيل ما تقول، سواء باختزاله وتلخيصه للنصوص التي تمليها عليه، ثم تعود أنت لتحريرها، أو بأن يكتب ما تقوله بالحرف، كانت من الرفاهية بمكان.

وجاءت التقانة (التقنية) في عصرنا الحالي، فكسرت احتكار هذه الطبقات لهذه الرفاهية، وجعلتنا نستطيع أن نستمتع بها.

ولو كنت في ذلك العصر، لاضطررت إلى أن أكون من طبقة الكتّاب الكادحين الذين يكتبون ما تفيض به نفوسهم بيَراع أقلامهم.

فأدام الله عزها!

بقلم: تركي بن سلطان القحطاني
من سلسلة «انطباعات مرفوع عنها القلم» · كل مقالات السلسلة
☕ صباحيات ثهلان

مختارات ثهلان في بريدك

اشترك في «صباحيات ثهلان»: مختارات من جديد ثهلان وأعدادها، تصل إلى بريدك.